أكد صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية أن مستجدات السياسة على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية تفتح نافذة أو فرصة يتعين على المجتمع الدولي اقتناصها والاستفادة منها قبل أن تذهب أدراج الرياح كغيرها من الفرص المهدرة في إطار السعي المشترك والمستمر لإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية .

جاء ذلك خلال كلمة سموه في الاجتماع الوزاري المشترك الخامس عشر لدول مجلس التعاون الخليجي والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي الذي بدأ أعماله في المنامة اليوم.

وفيما يلي نص الكلمة :

صاحب المعالي السيد جان اسلبورن رئيس الجانب الأوروبي وزير خارجية لكسمبورج .

صاحب المعالي الأخ محمد بن مبارك آل خليفة وزير خارجية مملكة البحرين .

السيدات والسادة رؤساء وأعضاء الوفود الكرام .

يطيب لي في مستهل هذه الكلمة أن أعرب عن تقدير وشكر وفد المملكة العربية السعودية لمملكة البحرين الشقيقة على ما بذلته من جهد للإعداد والتحضير لهذا الاجتماع الوزاري المشترك الخامس عشر لدول مجلس التعاون الخليجي والدول الأعضاء في الاتحاد الأوربي .

السيد الرئيس ..

مازالت منطقة الشرق الأوسط تعاني من آثار وانعكاسات النزاع العربي الإسرائيلي الذي مضى عليه أكثر من خمسة عقود لم تفلح خلالها مختلف الجهود والمبادرات الإقليمية والدولية لإسدال الستار على أهم مصدر لحالة عدم الاستقرار والاضطراب في منطقتنا فكلما غمرنا شعور بقرب التوصل إلى تسوية تعيد للفلسطينيين والعرب حقوقهم المشروعة وتوفر لدولة إسرائيل أمنا وسلاما يعم المنطقة نكتشف بعدها لسبب أو لآخر أن بلوغ هدف العيش الآمن والسلام الدائم مازال بعيد المنال .

وحقيقة الأمر أن مشكلة الشرق الأوسط بمختلف مساراتها مازالت تصطدم بنفس العقبة التي تحول دون تحقيق السلام المنشود فالملاحظ أنه في الوقت الذي خطت فيه الدول العربية خطوات جادة وبعيدة المدى معتمدة هدف السلام كخيار استراتيجي وجسدوا هذا التوجه في مبادرة سلام تاريخية حظيت بإجماع عربي فريد في قمة بيروت عام 2002م وتم التأكيد عليها في قمة الجزائر الأخيرة يضاف إلى ذلك ما صدر عن المجتمع الدولي من تأكيدات حول ضرورة تنفيذ خارطة الطريق في إطار الشرعية الدولية إلا أن كل هذه المحاولات والجهود لم يكن لها التأثير المطلوب على مواقف إسرائيل التي ما زالت تمارس سياسة قضم الأراضي وإجلاء السكان بنهم يسابق الزمن والتوسع في إقامة المستعمرات والمضي في بناء الجدار العازل إن استمرار هذه السياسات والممارسات لا يمكن أن يكون هدفها سوى تغيير أسس السلام وتعطيل أي إمكانية لإنجاح المفاوضات .

وإذا كان هناك اليوم بصيص أمل في تحريك العملية السلمية فإن ذلك راجع إلى اتخاذ القيادة الفلسطينية إجراءات تعبر عن الالتزام بأسس السلام والاستعداد للوفاء بمتطلباته فالثابت أن الرئيس الفلسطيني الجديد استطاع كسب تعاون الفئات الفلسطينية المختلفة والتأثير عليها من أجل ضبط الأمور كما حصل خلال هدنة العام الماضي التي استمرت أسابيع قبل انهيارها بفعل الاستفزازات الإسرائيلية المتكررة ومن دلائل فعالية القيادة الفلسطينية الجديدة توصلها لاتفاق وقف إطلاق النار مع الحكومة الإسرائيلية في شرم الشيخ في الثامن من فبراير والذي يجب أن تعتبره إسرائيل نقطة تحول هامة بين الطرفين .

إن هذا الواقع الفلسطيني الجديد يزيل أي مبرر أو سبب يتيح لحكومة إسرائيل التحجج بعدم وجود شريك ملائم للمضي في طريق السلام وإذا كانت خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أيرئيل شارون لفك الارتباط والانسحاب من غزة وإخلاء بعض المستعمرات في الضفة الغربية تمثل تطورا إيجابيا آخر إلا أن هذه الخطوة لن يكون لها المردود المطلوب إلا إذا جاءت تنفيذا ( لخارطة الطريق ) كما أوضح ذلك بيان اللجنة الرباعية الدولية الذي صدر على هامش اجتماع مؤتمر لندن الأخير الخاص بدعم السلطة الفلسطينية وأكد على ذلك مؤتمر لندن مشيرا إلى أهمية التنسيق بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني خلال عملية الانسحاب من غزة وأن لا يترتب على هذا الانسحاب ما يؤثر على مسار مفاوضات المرحلة النهائية .

ولابد من التنويه هنا إلى أن أهم ما تميز به مؤتمر لندن كونه قد حشد دعما سياسيا من المجتمع الدولي للسلطة الفلسطينية وكل ما نأمله أن تتم ترجمة هذا الدعم إلى مساندة مادية وفاعلة تعين السلطة على النهوض بمؤسساتها الإدارية والأمنية والاقتصادية تمهيدا لقيام الدولة الفلسطينية والتي يتوفر لها أسباب ووسائل التماسك الإقليمي وإمكانات العيش الكريم وحسن الجوار مع جارتها إسرائيل وأن يقترن ذلك كله بمبدأ التوازي والتعادل في المسؤوليات والالتزامات المطلوبة من كلا الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني وأود هنا أن أطمئن معالي رئيس الجانب الأوروبي السيد

( جان اسيلبورن ) أن المملكة العربية السعودية هي من أكبر الداعمين للفلسطينيين .

السيد الرئيس ..

إن مستجدات السياسة على الساحتين الفلسطينية والإسرائيلية تفتح لنا نافذة أو فرصة يتعين على المجتمع الدولي اقتناصها والاستفادة منها قبل أن تذهب أدراج الرياح كغيرها من الفرص المهدرة في إطار سعينا المشترك والمستمر لإيجاد حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية وأول ما يجب الالتفات إليه هو ضرورة أن تعمد إسرائيل إلى تغيير نظرتها الضيقة حيال المشكلة الأمنية والشروع في تقبل فكرة قوات دولية تفصل بين الجانبين وتتولى مهمة الإشراف والمراقبة وتحديد من هو المسئول عن أي خروقات أمنية .

والحقيقة الأخرى التي يجب على المجتمع الدولي أن يتعاطى معها هي أن مساعدة ودعما دوليا يقدم للفلسطينيين الذي جرى التعبير عنه في اجتماع الأول من مارس في لندن لن يعطي ثماره ويشعر الفلسطينيون بنتائجه ما لم تقدم إسرائيل على إزالة العوائق والحواجز التي تفرضها على حركة الفلسطينيين وتنقلاتهم وتنهي إجراءات القمع وسياسة التنكيل التي تمارسها ضد السكان العرب .

إذا كانت خارجة الطريق توفر إطارا معقولا لمعالجة بعض قضايا النزاع الفلسطيني .. الإسرائيلي فإن مبادرة السلام العربية تشكل مقترحا متكاملا لوضع تصور شمل لما ستنتهي إليه عملية السلام ويطمئن الطرفين العربي والإسرائيلي بلوغ السلام العادل والشامل وفق مباديء مدريد وقرارات الشرعية الدولية ولقد صدر عن قمة الجزائر العربية الأخيرة ما يؤكد على تمسك الجانب العربي بهذه المبادرة وحرصهم على تفعيلها وتنشيطها من أجل إحياء عملية السلام العادل والدائم للشعوب في منطقة الشرق الأوسط . وأننا نعلق أهمية بالغة على الدور الذي يمكن أن يلعبه الاتحاد الأوروبي في إطار اللجنة الرباعية الدولية من أجل دفع عملية السلام وفق ( خارطة الطريق ) ومفهوم الدولتين المستقلتين .

وفي الختام أرجو أن نخرج من اجتماع اليوم ونحن أكثر تصميما وأشد عزيمة على السير قدما نحو تحقيق الأهداف التي نصت عليها اتفاقية التعاون المشترك وعلى وجه الخصوص إبرام اتفاقية التجارة الحرة بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي حيث إن مثل هذه الاتفاقية أساس ضروري لأي توجه نحو تعاون استراتيجي مستقبلي بين مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي .

شكرا لحسن إصغائكم .