كلمة المملكة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة
واشنطن ١٦ رجب ١٤٢٢هـ الموافق ٣ أكتوبر ٢٠٠١م


ألقى الكلمة المندوب الدائم للمملكة لدى منظمة الأمم المتحدة السفير فوزي شبكشي أمام الجمعية العامة للأمم
المتحدة في نيويورك .وفيما يلي نص الكلمة :
السيد الرئيس
إن ما حدث في الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١م من أعمال إرهابية شائنة استهدفت الولايات المتحدة
الأمريكية جريمة بشعة بكل المعايير ولا يمكن إلا إدانتها من كل إنسان لديه ذرة من الإيمان ومن كل الشعوب المحبة
للسلام والمؤمنة بالحقوق الإنسانية والمتمسكة بالمبادئ والقيم .


السيد الرئيس
أدانت المملكة العربية السعودية ملكاً وحكومة شعباً تلك الأعمال الإجرامية التي ألحقت خسائر فادحة في الأرواح
ودمار هائل وأضرار بالغة في الممتلكات فقد أصدرت حكومة المملكة العربية السعودية ً بيانا نددت فيه بهذا العمل
الإجرامي الذي يتعارض مع جميع القيم الدينية والمفاهيم الحضارية الإنسانية وفي رسالة وجهها خادم الحرمين
الشريفين إلى الرئيس الأمريكي أكد فيها عن استنكاره الشديد وتنديده وشجبه لمثل هذه الأعمال وأعرب عن خالص
التعازي والمواساة لأسر الضحايا وللشعب الأمريكي الصديق وعن تكاتف المملكة مع المجتمع الدولي للوقوف في
وجه الإرهاب ومحاربته بجميع أشكاله وصوره وفي اتصال هاتفي بالرئيس الأمريكي قدم صاحب السمو الملكي ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني مواساته لفخامته وللشعب الأمريكي على ضحايا الحادث الأليم الذي نتج عن عمل إرهابي ترفضه الديانات السماوية وتزدريه وأبدى سموه استعداد المملكة العربية السعودية التام للتعاون مع الحكومة الأمريكية في كل أمر يساعد على الكشف عن هوية المرتكبين للحادث الإجرامي ومتابعتهم.

السيد الرئيس
لم يقتصر التنديد بهذا العمل الإرهابي في المملكة على المستوى الرسمي فحسب بل تجاوزه إلى جميع فئات
المجتمع السعودي فقد أكد المفتى العام للمملكة العربية السعودية رئيس هيئة كبار العلماء أن أحداث التفجيرات التي
وقعت في الولايات المتحدة الأمريكية وما كان من جنسها من خطف لطائرات أو ترويع لآمنين أو قتل لأنفس بغير
حق ما هي إلا ضرب من الظلم والفجور والبغي الذي لا تقره شريعة الإسلام بل هو محرم فيها ومن كبائر الذنوب .
وأكد كذلك فضيلة رئيس مجلس القضاء الأعلى في المملكة أن ما تعرضت له الولايات المتحدة بهذه الفظاعة
والوحشية المتناهية التي هي أبعد من عمل الوحوش وهذه المناظر المرعبة التي شوهدت من آثار تلك الإجرام مناظر
لا يقرها عقل سليم .
وأضاف أن المملكة العربية السعودية تنكر مثل هذه الأعمال الوحشية فلأنها دولة إسلامية يحكمها نظام
الإسلام وأنظمتها مقيدة بأن لا تخالف الإسلام وتفعل ذلك من واقع دينها ومن موقفها الإسلامي الذي تقف فيه لأنها
دولة الحرمين الشريفين ولا غرابة أن تستنكر الفواحش وأن تستهجن إجرام المجرمين وأن تندد بإيواء كل مرتكب
للإجرام أو يرضى بجرمه .
وأوضح فضيلة الشيخ "أن المملكة العربية السعودية في يوم من الأيام في أمر اختطاف الطائرات قبل أن يختطف
للسعودية أي طائرة قرر علمائها تحريم هذا العمل ولم يفرقوا بين اختطاف طائرة ركابها مسلمون وبين طائرة ركابها غير مسلمين بل رأوا أن الظلم أمر محرم وأن العدوان على الناس وإرهابهم بغير حق من أعظم الفواحش في
الأرض والفساد فيها ".

السيد الرئيس
في الوقت الذي تندد فيه بلادي بهذا العمل الإرهابي وغير الإنساني فإنها تؤكد على أهمية الابتعاد عن ربط
أعمال الإرهاب بشكل نمطي بدين أو عرق معين سواء كان هذا الربط صادر من جهات حكومية أو من جهات
إعلامية أو غيرها إذ أن ذلك لن يساعد على مكافحة الإرهاب بفعالية كما يعتبر تجني على الحقيقة والواقع .
كما أنها تشعر بالقلق إزاء محاولة استغلال بعض وسائل الإعلام ورجال السياسة هذه المأساة لإلقاء التهم
جزافاً على المسلمين والإسلام فالإسلام بريء كل البراءة ممن قام بمثل هذه الأعمال الإجرامية التي تعتبر ً انتهاكا
صارخاً للقيم الدينية والمبادئ الأخلاقية الإسلامية .
وتشعر أيضاً بقلق بالغ للمظاهر المتفشية في بعض المجتمعات والتي تهدف إلى التمييز ضد المعتقدات الدينية
وخاصة الإسلامية منها وكذلك محاولة الربط بين الإسلام وبعض الظواهر السلبية مثل الإرهاب والتعصب متناسين
أن الإسلام يدعو إلى نبذ الإرهاب والتعصب ويحث على التسامح والتعاون .

السيد الرئيس
لقد عانت المملكة العربية السعودية من عمليات إرهاب في الماضي ولذلك فهي تشعر بما تعانيه الولايات
المتحدة الأمريكية وعملت منذ مدة طويلة على مقاومة هذه الآفة الخطيرة وقامت ولا تزال تقوم باتخاذ التدابير
اللازمة لمحاربة ظاهرة الإرهاب على جميع المستويات فعلى المستوى الداخلي سنت الأنظمة التي تعاقب مرتكبي
الإرهاب وجعلت مادة مكافحة الإرهاب أحد المواد الأساسية التي تدرس في بعض المناهج الدراسية في الجامعات
والكليات في المملكة وعلى المستوى الإقليمي فقد كانت المملكة العربية السعودية من أوائل الدول الموقعة على
الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب الصادرة عن الجامعة العربية سنة ١٩٩٨م وكذلك على معاهدة منظمة المؤتمر
الإسلامي لمكافحة الإرهاب وعلى المستوى الدولي فقد انضمت المملكة إلى العديد من اتفاقيات الأمم المتحدة الخاصة
بالإرهاب ومنها معاهدة قمع الأعمال غير المشروعة التي تشكل ً تهديدا لأمن الطائرات معاهدة ( مونتريال )وهي في طريقها للتوقيع أو الانضمام إلى اتفاقية قمع أعمال الهجمات الإرهابية بالقنابل وإلى اتفاقية مكافحة تمويل الإرهاب .
وترى حكومة بلادي أن الانضمام إلى الاتفاقيات المتعلقة بالإرهاب يجب أن يلازمه صدق النوايا لمكافحة
هذه الظاهرة الخطيرة والقضاء عليها وهو ما ندعو إليه جميع الدول الأعضاء بأن تقوم بالإدانة القاطعة لجميع أعمال
الإرهاب الذي يشكل ً انتهاكا خطيراً لمقاصد ومبادئ الأمم المتحدة ويهدد الأمن والسلم الدوليين ويعرض العلاقات
الودية بين الدول للخطر ويعوق التعاون بينها .

السيد الرئيس
انطلاقاً من اهتمام وحرص حكومة بلادي في مقاومة هذه الآفة الخطيرة فإنها تؤيد جميع الجهود الذي تبذلها
هذه المنظمة من خلال إصدار القرارات والاتفاقيات ذات الصلة ومن ذلك قراري مجلس الأمن رقم )٢٠٠١ ) ١٣٦٨
ورقم )٢٠٠١ ) ١٣٧٣ الذي أدان بصورة قاطعة وبأقوى العبارات الهجمات الإرهابية المروعة التي وقعت في
الولايات المتحدة الأمريكية وإلى المساهمة في تطوير أعمال مقاومة هذه الظاهرة الخطيرة ..فوفد بلادي يؤيد أيضاً
الدعوة إلى عقد مؤتمر دولي للإرهاب ونعتقد أن الحاجة ملحة والوقت قد حان لعقد مثل هذا المؤتمر وأن تكون من
بين مهامه الرئيسية وضع تعريف محدد للإرهاب يفرق بين الإرهاب كظاهرة خطيرة تهدد أمن واستقرار المجتمع
الدولي وبين حق الشعوب في النضال والمقاومة ضد الاحتلال وفق ما نص عليه القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة

السيد الرئيس
على الرغم من أن الشعوب العربية والإسلامية تتعرض لعمليات إرهابية فإن هناك محاولات آثمة لإلصاق تهمة
الإرهاب بالعرب والمسلمين وتردد بعض وسائل الإعلام المغرضة مقولات ظالمة مثل الإرهاب الإسلامي والخطر
الإسلامي والقنبلة الإسلامية وكأن الإرهاب لا يوجد إلا من المسلمين ولم نقرأ أن للقنابل ديانات وللإرهاب مذاهب
دينية ..لا يردد هذه الفرية إلا مكابر وحاقد وجاهل ولا يمكن رمي العرب والمسلمين بالإرهاب لأن أحداً أو جماعة
منهم ارتكبوا إرهاباً فالإرهابيون من كل ملة ومذهب ويتواجدون في كل المجتمعات البشرية والإسلام يحرم الإرهاب
لأن الله عز وجل حرم الظلم على نفسه وبين عباده وجرم عز وجل القهر والاعتداء على غير الجاني وقتل الأبرياء
من الجرائم الكبيرة ومن قبل الإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل ..يقول المولى عز وجل " كل نفس بما
كسبت رهينة "ويقول جل وعلا " ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى "وإيقاع العقوبة
الجماعية في الإسلامي تعد فحشاً وعدواناً وفساداً .
وقد تنبهت الشريعة الإسلامية لهذا الخطر منذ حوالي أربعة عشر قرناً ووضعت أول تشريع قانوني متكامل
ضد الإرهاب ..وأوضح الفكر الإسلامي صورتين من صور الإرهاب وهما جريمتي البغي والحرابة وقد قرر
مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية فرض عقوبة الإعدام على مرتكبي جريمة الإرهاب والإفساد .
واستند هذا القرار على قول الله عز وجل "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه
وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد "وكذلك قوله جل
وعلا "انه من قتل نفس بغير نفس أو فساداً في الأرض فكأنما قتل الناس ً جميعا ".

السيد الرئيس
إن العرب شعوباً وحكومات يدينون الإرهاب بشتى أشكاله وكل مظاهره انطلاقاً من عقيدتهم وتراثهم وأكد
العرب في إدانتهم على ضرورة عدم الخلط بين الإرهاب وبين حقوق الإنسان وحق الشعوب في الدفاع عن وجودها
والنضال لحريتها والكفاح من أجل سيادتها عندما تتعرض للاحتلال والسيطرة والتعسف والتنكيل مما يخالف جميع
المبادئ والقيم ويناقض القواعد والأعراف الدولية .
وحيث أن الإرهاب بكل صوره وأشكاله مدان فإن هذه الإدانة لابد أن تشمل الإرهاب الرسمي على مستوى الدولة
الذي تميل بصورة متواصلة ضد الشعب الفلسطيني وقد أشار البند السادس من قرار الجمعية العامة رقم ١٦٤٠
الصادر في دورتها الأربعين عام ١٩٨٥م إلى الإرهاب الرسمي الذي تمارسه بعض الدول وفرق القرار بوضوح
كامل بين الإرهاب الذي هو بلاء إجرامي ووجه من وجوه الحرب غير المشروعة وبين الكفاح المسلح ضد
الاستعمار والعنصرية والاحتلال الأجنبي الذي هو نضال وكفاح مشروع يستند إلى مبدأ حقوق تقرير المصير
للشعوب وهو حق مثبت في ميثاق الأمم المتحدة ومؤكد في القرارات الدولية ومكرس في مبادئ القانون الدولي
وحرص القرار في بنده التاسع على دعوة جميع الدول فرادى وبالتعاون مع الدول الأخرى كذلك أجهزة الأمم المتحدة
ذات الصلة أن تهتم بالقضاء التدريجي على الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي .

السيد الرئيس
لا شك أن من حق الدول التي وقعت فيها أعمال إرهاب تعقب الجناة والقبض عليهم والاقتصاص منهم وأن
يكون الهدف من ذلك القضاء على الإرهاب بجميع أشكاله وصوره وليس بهدف الانتقام وتاريخ الإرهاب يؤكد لنا أن
الكفاح ضد الإرهاب يبدأ من تتبع جذوره ومعرفة أسبابه والسعي الحثيث والمتواصل لإيجاد الحلول العادلة
للصراعات المختلفة فما حدث في الولايات المتحدة يطرح على المجتمع الدولي مسؤوليات عظيمة ومهام كبيرة ولكن
الإرهاب لم يولد في ١١ سبتمبر ٢٠٠١م ولن ينتهي إذا ما اقتصرت معالجته على الوسائل العسكرية والأمنية بل
يتطلب تضافر جهود المجتمع الدولي للسعي نحو محاربة هذه الظواهر بكل الوسائل الممكنة .
إن المجتمع الدولي مطالب بمعالجة ظاهرة الإرهاب بروح المسؤولية والجدية ومن سائر جوانبها والإطار
المناسب لهذه المعالجة هو الأمم المتحدة إذ أن المجتمع الدولي ممثلاً في الأمم المتحدة هو وحده الذي يملك الحق في
تحديد الإرهاب وتعريفه واتخاذ القرارات الدولية اللازمة لمواجهته ..إن ظاهرة الإرهاب قضية أساسية ذات أهمية
بالغة ينبغي معالجتها باعتماد القانون الدولي ً أساسا ومرتكزاً وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية علاجاً وحماية وأن لا
تقتصر تلك المعالجة على اعتماد أسلوب واحد قد يؤدي إلى الإضرار بالأبرياء عند اتخاذ أي إجراءات لمحاربته .
إن التعاون الدولي لمحاربة الإرهاب يقتضي الاتفاق على تعريف الإرهاب لتجريمه وفقاً للقاعدة القانونية (لا
جريمة بدون نص )ولكي لا يبقى تعريف الإرهاب مسالة مزاجية ويختلف تعريفها باختلاف المصالح والأهداف
والقضاء على الإرهاب يـــم الأديان والعقائد والقيم وعدم المساس بها بذريعة حرية الرأي كما يجب عدم تسييس
قضايا حقوق الإنسان والسعي بفرض بعض المفاهيم على الشعوب الأخرى والتي قد لا تتماشى مع عقائدها ومبادئها
وإخضاع حضارات العالم الأخرى لاعتبارات ومعطيات مصالح حضارة بعينها .. ومن هذا المنطلق فإن مواجهة
الإرهاب تقتضي عدم التعامل بمعايير مزدوجة والكيل بمكيالين في العلاقات الدولية عند تطبيق الشرعية الدولية
وتنفيذ القوانين الدولية .


السيد الرئيس
لقد بات الإرهاب ظاهرة دولية غير مقصورة على شعب أو عرق أو دين .. الإرهاب ظاهرة شاعت في كل
حضارة وبين جميع الأمم وهي ظاهرة دولية تستوجب جهوداً دولية لاحتوائها والتصدي لها بفعالية وبروح من الجدية والمسؤولية والإنصاف ومن خلال عمل دولي متفق عليه في إطار الأمم المتحدة مما يكفل القضاء عليها ويصون حياة الأبرياء ويحفظ للدول سيادتها وللشعوب استقرارها وللعالم سلامته وأمنه واستقراره .
وشكراً السيد الرئيس .