الحمدلله رب العالمين
والصلاة والسلام على الشرف الأنبياء والمرسلين…

انه لمن دواعي السعادة والزهو ان تتاح لي الفرصة للمساهمة مع هذه النخبة الممتازة من المسئولين والمفكرين في القاء بعض الضوء على احدى القضايا الاساسية التي تواجه امتنا العربية في هذا المنعطف الحاسم من تاريخها, ألا وهي قضية تطوير المشاركة السياسية وإصلاح البيت العربي.
على انه لابد لنا بادئ ذي بدء ان نعترف بكل شفافية وصراحة ووضوح أن هناك صمتاً طال امده، وتغاضٍ يصعب فهمه عما يجري على الساحة العربية من امور توحي بالعجز وقلة الحيلة، الامر الذي جعل البعض يستمرئ التهجم على الامة العربية وإلحاق الضرر بمصالحها المشروعة، والذي أوجد في نفس الوقت شعوراً متنامياً لدينا كعرب باننا نواجه أزمة هيكلية مزمنة نعتقد انها هي السبب في تردينا الى الواقع المرير الذي تعيشه امتنا العربية، وأنها هي الاساس في تخلفنا الحضاري الملحوظ. واذا كنا نتفق على وجود هذه الازمة، إلا أننا نختلف في معرفة كونها وفي تحليل مسبباتها وتلمس مكامنها. فِمنَّا من يؤمن بان جذور هذه الازمة تعود الى الاستعمار الاجنبي لمناطق واسعة من العالمين العربي والاسلامي باعتباره الاساس في كل ما أصاب الامة من تدهور وتخلف. ومِنَّا من يربط بين هذه الازمة وبين بعض الاحداث الفاصلة التي تعرضت لها الامة في تاريخها الحديث مثل الصراع العربي الاسرائيلي سواء بالنسبة لنكبة عام 1948م او بالنسبة لنكسة عام 1967م ومثل مأساة غزو الكويت في عام 1990م، ومثل كارثة 11سبتمبر عام 2001م وما رافقها وأعقبها من أحادية قطبية وحرب على الارهاب. ومِنَّا من يعزو الأزمة الى بعض العوامل الهيكلية ذات الطابع الاقتصادي او الاجتماعي ، بل واحيانا الفكري والثقافي التي وقفت حجر عثرة في طريق قدرة العالم العربي على حل مشكلاته وتجاوز معاناته .
ورغم وجود بعض المبررات المقنعة التي قد تستند عليها هذه التحليلات ، الا أنها كثيرا ما تتجاوز الاهمية القصوى للعوامل الذاتية التي أوجدت لدى الأمة هذه القابلية الشديدة لأن تتأثر سلبا بمجمل التطورات الخارجية بحيث تصبح مجرد متلقٍ لفعل الاخرين وسياساتهم واستراتيجياتهم ، وهو ما كان يقصده المفكر الكبير "مالك بن نبي" حين ابدع مفهوم "القابلية للاستعمار".
لقد تكاثرت الخطوب على أمتنا حتى تكسرت النصال على النصال، وخبا اكثر من شعاع علَّقنا عليه الامال في فترة او في اخرى، وزاد بيننا الإحساس بالاحباط، ولا اقول الياس، وتعددت الافكار والرؤى والتنظيرات والطروحات حول الحلول الممكنة والمخارج العملية عن الأزمة التي قادتنا الى هذا المآل واوصلتنا الى هذا الحال.
ولقد آن الاوان لأن نمتلك الشجاعة الكافية لنقرر ان الإصلاح الذاتي وتطوير المشاركة السياسية هما المنطلقان الاساسيان لتجاوز الازمة الهيكلية التي تتعرض لها دولنا العربية، وهما المدخلان العمليان لبناء النهضة العربية الشاملة والتعامل بموضوعية وواقعية مع المستجدات والمتغيرات المتلاحقة على الساحة الدولية على الصعد السياسية والاقتصادية والتقنية والمعلوماتية.
وإذا كان من السهل علينا ان نلحظ ما يعترى المشاركة السياسية في العالم العربي من قصور ومحدودية، وأن نعتبر ذلك من الأسباب الأساسية للازمة التي تعاني منها الأمة، فان هذا يعتبر في نظري تبسيطاً مخلاً لعمق الاشكالية، لأن غياب المشاركة السياسية ليس عرضاً قائماً بذاته، بقدر ما هو جزء من كل أكبر واعمق. ذلك ان المكّون السياسي ككل يعاني في عالمنا العربي من ضعف شديد وتخلف واضح . بل يمكننا ملاحظة هذا الضعف والتخلف في المكّون السياسي في جانبيه، النظري والفكري من جهة، والعملي المتعلق بالممارسة من جهة اخرى، سواء تمحورت تلك الممارسة في إشكالية أداء النظام السياسي الداخلي في الدول العربية، أو في اشكالية العلاقات البينية بين دول العالم العربي، أو في إشكالية العلاقات الخارجية مع بقية العالم من حولنا. نلمس هذا الضعف الشديد حتى على مستوى النخب الفكرية والسياسية والثقافية، إذ كثيراً ما نجد تغييباً أو سوء فهم لمعظم المفاهيم الأساسية التي تشكل الفكر السياسي الحديث، والتي تقوم عليها مفاهيم الدولة الحديثة والمجتمع الدولي المعاصر. فمن الملاحظ ان الدراسات التي تبحث في فقه السياسة في الإسلام لم تحظ بنفس القدر من الإهتمام، ولم تَنَلْ ذات النصيب من العناية التي نالتها الدراسات الخاصة بالجوانب الأخرى في المنظومة الإسلامية. عدم الإحتفاء بهذا الجانب وعدم العناية بتطويره وترسيخ وتعميق جذوره وتقنين قواعده وإحياء ما اندثر من معالمه لم يقتصر على الفكر الإستشراقي، بل إن المفكرين المسلمين انفسهم أسهموا بنصيب في هذه الظاهرة، وإن كان لكلٍ من الجانبين اسبابه الخاصه ودوافعه الذاتية مما يضيق المجال عن شرحه وتفسيره، ولكن مايهمنا الاشارة اليه في هذا المجال هو أن ذلك كان من شأنه جعل المفاهيم السياسية مجالاً خصباً للمزايدة والإختلاف والتناصر.
وإذا تأملنا في العوامل المؤثرة المفضية إلى هذا الضعف الممتد في المكون السياسي النظري والعملي لأمكننا إستخلاص عوامل متعددة يمكن ان نختصرها في ثلاث مجموعات اساسية :-
المجموعة الاولى تتعلق بالجغرافيا التاريخية للعالم العربي ذاته، والتي أفضت بدورها إلى صراع تاريخي ممتد بين قيم البادية الراحلة غير المستقرة في إطار جغرافي محدد وغير الخاضعة لسلطة سياسية مستقرة من جهة، وبين قيم الحواضر المتباعدة المتناثرة في قلب الصحاري الشاسعة والمعَرَّضة باستمرار للغزو والإضمحلال. هذا الصراع الممتد بين نمطين مختلفين من أنماط الحياة جعل التجربة السياسية عند العرب متقطعة ومؤقتة وجزئية، الأمر الذي حدا بمفكرنا الكبير عبدالرحمن بن خلدون ان يلحظ في مقدمته أن "الأوطان الكثيرة القبائل والعصائب قَلَّ ان تستحكم فيها دولة" وان "العرب أصعب الأمم إنقياداً بعضهم البعض" و "أبعد الأمم عن سياسة الملك"، ومما يؤكد ذلك ان المفهوم اللغوي لمصطلح "دولة" ينطوي كما يبين الدكتور محمد جابر الأنصاري على "معنيين متصاحبين ومتلازمين : معنى التغير والتقلب والتناوب وعدم الثبات والدوام .. ومعنى المغالبة بالقوة".
أما المجموعة الثانية من العوامل المؤثرة في ضعف المكون السياسي العربي فتتعلق بوجود روابط قوية تتجاوز الانتماء السياسي المباشر وتفوقه أهمية من الناحيتين النظرية والتطبيقية. فرابط الأمة الإسلامية يعلو نظرياً على مستوى الدولة السياسي، في حين نجد روابط العصبيات المحلية المجزأة أهم عملياً من روابط الممارسة السياسية على مستوى الدولة. وعلى هذا الأساس لم تكن الدولة في المجتمع العربي محور تكوين العلاقات الإجتماعية، وانما كانت مجرد وسيط خارجي لتحقيق المصالحة داخل الفرد بين الولاء المحلي الشخصاني والولاء الجماعي المجرد للأمة.
وترتبط المجموعة الثالثة من العوامل المؤثرة في ضعف المكون السياسي العربي بالطابع الخارجي والمستورد لمؤسسات الحكم واجهزة الدولة، وهي الظاهرة التي بدأت تمارس تأثيرها منذ تصاعد النفوذ الاجنبي داخل بنية الدولة الإسلامية في العهد العباسي والتي إستمرت إلى مطلع العصر الحديث. وحين حَلَّ المد الإستعماري الغربي تفاقمت الطبيعة "الخارجية" لمفهوم الدولة ومؤسساتها واجهزتها مما جعل من الصعوبة بمكان التعرف على الدولة كجهاز متكامل بل كعناصر مجزأة، ذلك أنه بدأ عملياً إدخال تنظميات على فترات متباعدة ومبتورة في بعض الأحيان من جهاز الدولة المتكامل، بالشكل الذي يجعل من الممكن القول بأن ما يسمى "دولة" حالياً لم يأت نتيجة تطور إجتماعي داخلي بقدر ما تم فرضه إما لمواجهة ضغط اجنبي أو من قِبَل قوى اجنبية متداخلة.
نخلص من كل ذلك إلى الأهمية الحاسمة التي ينبغي ان نوليها لموضوع تطوير المشاركة السياسية في العالم العربي، فهو السبيل الأمثل نحو البدء بتصحيح هذا الخلل العميق في حياتنا السياسية. فالوحدات السياسية العربية التي نعبر عنها حيناً بالدولة الوطنية، وحيناً آخر بالدولة القطرية هي الإطار الفعلي الذي يجب ان تنطلق منه عملية الإصلاح الشامل. ولن تستقيم الدعوة إلى الوحدة والتضامن والتعاون بين دول العالم العربي إلاّ حين ننخرط جميعاً في العمل الفعلي نحو بناء وإنضاج وتطوير وتعميق تجربتنا السياسية داخل دولنا. إن غياب المشاركة السياسية الفاعلة هو المفضي إلى توالي الأزمات، وهو المؤدي إلى تعميق التشوهات، وهو المتسبب في فقدان القدرة على مواجهة التحديات، وبدون تطوير فعلى للمشاركة سيبقى العالم العربي يعيش في الماضي والتاريخ، وستخسر الأجيال القادمة رهان المشاركة في صنع المستقبل.
تطوير المشاركة السياسية إذن لابد ان يندرج في إطار إصلاحي شامل وحقيقي، وإلا لفقد معناه وأفضى إلى تغيير شكلي لا يعتد به. إن المشاركة السياسية مطلوبة لذاتها، ولكن تحقيقها يتطلب إقترانها بالتنوير السياسي والتثقيف السياسي والتنشئة السياسية والمأسـسة السياسية بحيث تتعمق الوطنية وتترسخ معانيها. يتطلب تطوير المشاركة السياسية ان نملك الجرأة اللازمة لممارسة النقد الذاتي وإعادة النظر في ثقافتنا السياسية السائدة والتغلب على العوائق التي تضعف قدرتنا على الإبتكار والتكيف. لابد أن تقترن المشاركة السياسية بتطوير آليات بناء الثقة والحوار بين كافة المجموعات، ولا بد من تحقيق المصالحة مع الذات داخل كل دولة من دول العالم العربي.
لا بد أن يدرك الجميع أن الأستناد القديم إلى مجموعات صغرى تتراوح بين القبيلة والعائلة والطائفة لتدبير شئون الحياة لم يعد يصلح لمتطلبات العصر الحديث ومستجداته وظروفه. ولا بد ان يقترن الاصلاح الداخلي باصلاح الوضع العربي برمته، بل وإصلاح نظرتنا نحو الآخر وتصحيح التعامل معه بالتخلص من عقدة الإضطهاد من جهة وعقدة الإستعلاء من جهة أخرى.
واذا كانت العلاقة بين المشاركة السياسية والإصلاح الشامل علاقة طردية وثيقة، فإن هناك ثلاثةَ أوهامٍ خاطئة ما تزال رائجةً عند بعض العرب في هذا المجال، ومن الضروري، في نظري، أن نتحلى بالصراحة والوضوح في مواجهتها.
الوهم الأول يتعلق بالخطابات المتكررة التي دأبنا على الإستماع إليها في عالمنا العربي والتي تدعو إلى تأجيل المشاركة السياسية بحجة مواجهة العدوان الخارجي وأولوية متطلبات معارك تحرير الأرض من محتليها وإستعادة الحقوق من غاصبيها. ومن الغريب ان تتم التضحية بالمشاركة السياسية، والتي تعد مطلباً قائماً بذاته، بسبب هذه الحجج الواهية والأوهام الخاطئة، في حين تؤكد جميع التجارب التاريخية والمعاصرة أن المشاركة الشعبية هي التي تعزز القدرة على مواجهة التحديات الخارجية والمطامع الأجنبية، خاصة حين تكون المعارك مصيرية وموازين القوى مختلة. وقد كان الثمن الذي دفعناه من جراء خطأ هذا الوهم ثمناً باهظاً، فلا الشعوب شاركت، ولا الأرض حُرِّرت، ولا الحقوق اُستعيدت، ولا التنمية تحققت.
ومن الأوهام الخاطئة ايضاً، والتي شاعت كثيراً في العالم العربي، توهم وجود تناقض او تعارض بين آليات المشاركة السياسية التي أبدعتها الحداثة السياسية المعاصرة من جهة، وبين قيم المجتمع العربي الأساسية، وفي مقدمتها هويته الإسلامية الأصلية، من جهة أخرى. وهذا وهم مركب ثلاثي الأبعاد: فمن ناحية نجد أن قيم الإسلام الخالدة تدعو إلى الشورى والعدل والمساواة دون تحديد مسبق للآليات التفصيلية التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة، لكنها جميعاً قيم يرتبط تحققها الفعلي في المجتمعات الحديثة بتطور المشاركة السياسية الفاعلة. ومن ناحية ثانية نجد أن مشاركة شعوبنا العربية المؤمنة خير ضمان لترسيخ الهوية الإسلامية في مواجهة تحديات الغزو الفكري والعولمة الثقافية، في حين ان محاولات فرض الوصاية الفكرية والسياسية على هذه الشعوب هي اقصر الطرق للفشل. ومن ناحية ثالثة فان الأصل في الإسلام هو الإباحة، ومن ثم فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها أخذها، أو كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله "إذا رأيت المصلحة فَثَمَّ شرع الله"، ومن الطبيعي ان تنبثق الآليات التفصيلية لتحقيق المشاركة السياسية من قيم المجتمع، وأن تتسق مع مبادئه العامة، فالتجارب قد أثبتت أن إستيراد النماذج الجاهزة المنبثقة عن تجارب الآخرين هو خيار فاشل حتماً. ومما ينبغي التأكيد عليه في هذا الخصوص هو أن الأخذ بهذه المبادئ والأفكار وإيجاد الآليات المناسبة لتنفيذها من واقع ظروف مجتمعاتنا وإتساقاً مع قيمها وتراثها هو أمر تحض عليه شريعتنا الإسلامية. لقد سبق الإسلام فكر العالم كله في إصطفاء مثل هذه المبادئ، وسبق بخاصة الدول الكبرى التي كان يعاصرها بأن اضاء شموع الحرية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان. فما نحن إذن بمقلدين إذا إسترجعنا ذلك كله بنظمه المعاصرة وآلياته المستخدمة. اننا بهذا الفهم الواعي لمبدأ المشاركة السياسية وبايماننا بثماره النافعه ونتائجه الإيجابية ندرك أن أسسه وأصوله ليست جديدة علينا ولا دخيلة وافدة من الخارج، بل إنها بضاعتنا رُدَّت إلينا. إن التطبيقات المتغيرة والأشكال المتطورة إنما تمثل في تغيرها وتطورها صدق المبادئ والقيم التي تعبر عنها.. ولكل عصر رؤيته ورؤياه، وله إمكاناته وقدراته على إيجاد التطبيقات والآليات المناسبة لتلك المبادئ الخالدة. إن تأصيل هذا التوجه هو تأكيد على ان التطور الحضاري لهذه الأمة ينطلق من عقيدتها ومن ذات مكوناتها، وإذا ما وجد ضرورة للإستفادة من الآخر رَحَّبَ بتلك الإستفادة بعد أن يُقَّومَها على أسسه وثوابته التي كَوَّنَتْ شخصيته الحضارية، وأكسبته ملامح هويته وسمات ذاتيته، بعيداً عن الإندفاع وراء الشعارات والمصطلحات البراقة، بمقدار البعد في الوقت ذاته عن التقوقع والإنكفاء على الذات.
أما الوهم الثالث فيتعلق بإساءة فهم المقصود بالمشاركة السياسية.. إما بتوسيع مدلولاتها توسيعاً يفقدها معناها ومحتواها، أو بتقليص تلك المدلولات تقليصاً مخلاً فاذا كانت المشاركة السياسية هدفاً مطلوباً ومرغوباً، فان من الخطأ ان نتوهمها كحل سحرى لجميع المشكلات او علاج أسطوري لجميع التحديات. ذلك أن المشاركة السياسية مُكَّون اساسي لأي إصلاح داخلي جاد، لكنها ليست المكون الوحيد.. بل لعلها لا يمكن ان تتطور وتُفَعَّل إلا باندراجها في عملية إصلاحية شاملة. وإذا كان من الخطأ أن نضحي بالمشاركة بحجة تحقيق أهداف اخرى، فان من الخطأ ايضاً ان نضحي بالسيادة أو الإستقلال أو أن نرحب بالغزو والإحتلال والتدخلات الخارجية بحجة فتح إمكانات التغيير الذي يتوهم البعض أنه قد يتيح المجال لتوسيع المشاركة السياسية. ومن جانب آخر فان هناك بعض الذين يقلصون معنى المشاركة السياسية المطلوبة بحيث نجدها تقتصر عندهم على إنتخابات شكلية لمجالس لا تتمتع بصلاحيات فعلية، او يجعلونها متماثلة مع ايديولوجيات شعبية شمولية، في حين أن المشاركة السياسية الحقيقية تتطلب تعميماً للحريات الفكرية والإعلامية، وحفظاً للحقوق الفردية وحقوق الأقليات، وتأسيساً للمجتمع المدني الوطني المتجاوز للعصبيات المحلية والقبلية والطائفية.
إن من المتفق عليه أن الوضع العربي بات يحتاج إلى معالجة متكاملة تحول دون المزيد من التدهور والإنقسام، وتنهي حالة الضعف والعجز وقلة الحيلة، وتعيد للعمل العربي المشترك مقوماته الأساسية وفي مقدمتها الجدية في الطرح والمصداقية في التنفيذ. ومن المتفق عليه اْيضاً أن التحديثات الضخمة التي تواجهها الأمة العربية اليوم لم تعد تسمح بالفصل بين الشئون الداخلية والخارجية، فالمعالجة المطلوبة تتطلب الجمع بين الإصلاح الإقليمي والإصلاحات الداخلية، ذلك أن حشد موارد الأمة وطاقاتها لمواجهة التحديات والمخاطر لن يكون ممكناً دون المبادرة إلى إصلاح أوضاعنا الداخلية بكل جرأة وعزم وتصميم. ولقد استشعر العقلاء والحكماء في عالمنا العربي ضرورة المعالجة الشاملة للوضع العربي الإقليمي والداخلي، وهو ما أنعكس في مبادرات متعددة رسمية وغير رسمية، لعل أبرزها وأكثرها شمولاً مبادرة "إصلاح الوضع العربي" التي تقدم بها صاحب السمو الملكي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء ورئيس الحرس الوطني، مؤملاً بحثها وتبنيها خلال مؤتمر القمة العربية القادمة في تونس.
تؤكد مبادرة الأمير عبدالله لإصلاح الوضع العربي على ضرورة تحلي العمل العربي المشترك بالجدية والمصداقية وذلك عبر وضع آليات محددة وبرامج واضحة ملزمة تضمن الالتزام الاكبر بأسس العمل العربي المشترك والتنفيذ الصادق والأمين لمقرارت القمة العربية. وتركز المبادرة على ثلاثة محاور أساسية تحتاج إلى إصلاح نوعي عاجل: المحور الأول يتعلق بالعلاقات العربية البينية وإحياء التضامن الفعلي في المجالات السياسية والدفاعية بدلاً من ترديد الشعارات والمزايدات والإنقسامات وأجواء عدم الثقة وتجاوز المقررات او تفشي عدم الإلتزام بما تم الإتفاق عليه. أما المحور الثاني فيتعلق بالإصلاح الداخلي المرتبط بتطوير المشاركة السياسية وتوفير شروط النهضة العربية وتلبية متطلبات الإنخراط الإيجابي في ميادين المنافسة العالمية وتحرير الإنسان العربي من القيود المعيقة للإبداع والفكر الخلاق وبناء القدرات العربية الإنتاجية والتنافسية. ويتعلق المحور الثالث بالسعي الجاد والعملي لتحقيق التكامل الإقتصادي من خلال تطبيق كامل خالٍ من الاستثناءات لمنطقة التجارة العربية الحرة الكبرى، ووضع جدول زمني ملزم لإقامة الاتحاد الجمركي وصولاً إلى سوق عربية مشتركة، وتوفير المناخ الجاذب للاستثمارات الخاصة والمشجع للمبادرات الفردية والمعزز للقدرات التنافسية.
ومن نافلة القول التأكيد على الترابط الوثيق بين هذه المحاور الثلاثة، وكذلك الإقرار بان أي معالجة جادة للوضع العربي الراهن لابد وأن تشتمل على تزامن وتكامل الإصلاح فيها معاً. لكن توسيع وتفعيل وتعزيز المشاركة السياسية داخل كل بلد عربي يظل يكتسب، في نظري، أهمية استثنائية في الإصلاح المنشود، وذلك لعدة اسباب يمكننا إيجازها في ثلاثة إعتبارات اساسية:
اولاً :- ان مايشهده عالم اليوم من تطورات متسارعة في مجالات الإتصالات والمعلومات والعولمة الإقتصادية والفكرية تحتم الإعتراف بتأثير الثقافة العالمية السائدة وتنامي وعي الشعوب وتطور مجالات عمل مؤسسات المجتمع المدني، مما يجعل المبادرة إلى إصلاح أوضاعنا الداخلية أمراً حتمياً وإلاعَرَّضْنا أنفسنا إلى تهديدات وتدخلات خارجية مرفوضة وغير مقبولة.
ثانياً :- لايمكن مواجهة التحديات الخارجية والتهديدات الخطيرة التي تواجهها الامة العربية إلا بالاعتماد على قوة الجبهة الداخلية ومتانة الوحدة الوطنية ورسوخ الشرعية السياسية داخل كل دولة عربية ، وهذه بدورها تعتمد إعتماداً واضحاً على وجود مشاركة سياسية فاعلة ومجدية.
ثالثاً :- توفر المشاركة السياسية يمثل أفضل الضمانات لتوفير ما يحتاجه العمل العربي المشترك من جدية في تحمل المسئوليات ومصداقية في تنفيذ المقررات وتأطير للتعاون المؤسسي الذي يرسي دعائم الإستقرار والشرعية والوحدة الوطنية.
بهذا وبهذا فقط نستطيع ترميم وإصلاح بيتنا العربي وحمايته من الفتن الداخلية ومن المخاطر والتهديدات الخارجية، ونتمكن بالتالي ليس من اللحاق بالركب الحضاري فحسب، بل ومن إثرائه بما تزخر به عقيدتنا ويحفل به تاريخنا من قيم سامية ومعارف شتى، ومن إبداعات خلاقة وإنجازات مشهودة.

والله من وراء القصد وهو الهادي إلى سواء السبيل.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،   


    نشر تقرير في يوم 24 يوليو من 900 صفحة للجنة تحقيق مشتركة من الكونجرس حول هجمات 11 سبتمبر عام 2001 م. وفي ذلك التقرير اتهمت المملكة العربية السعودية بدون سبب .. انه انتهاك لأي احساس بالعدالة في تلك الصفحات الثماني العشرين والتي تعتبر الآن دليلا رئيسيا لإعلان جرم قطر كان صديقا حقيقيا وشريكا للولايات المتحدة خلال 60 عاما 0

    ان المملكة العربية السعودية اتهمت بصورة خاطئة ومروعة بالإشتراك في هجمات 11 سبتمبر عام 2001م المأساوية .. ان هذا الإتهام مبني على تكهن مضلل ونية مقنعة حقودة .. وقد جرى دحضها ببيانات رسمية مستمرة  من الرئيس ومسؤولون كبار في الإدارة خاصة اولئك الذين لهم معرفة بالحقائق والذين اشادوا بالمملكة العربية السعودية كحليف نشط وقوي في الحرب ضد الإرهاب.

    ويبدو ان التقرير اغفل او تجاهل عن عمد جهود المملكة العربية السعودية المستمرة في حرب الإرهاب .. انه لم يعبر عن حقيقة الأفعال والإنجازات التي قامت بها المملكة .. فليس هناك ذكر لحقيقة ان المملكة العربية السعودية قد استجوبت آلاف من الأفراد واعتقلت اكثر من 500 مشتبه منذ 11 سبتمبر .. ان ما قامت به المملكة العربية السعودية لم يقد فقط لإعتقال ارهابيين كبار وتفكيك خلاياهم في المملكة ولكن قاد ايضا الى نتائج مماثلة في الولايات المتحدة لأمريكية.

 

    وفي مجال المال لم يذكر التقرير الخطوات العديدة التي اتخذت مثل التدقيق المتشدد في الإجراءات وتقنيات الرقابة لتأكيد ان تقاليد منحنا الخيرية لا يمكن ان تنتهك .

    ليس لدينا شيء نخفيه او نسعى لحجبه .. اننا نؤمن ان نشر الصفحات الثماني والعشرين التي لم تنشر ستمكننا من الرد على اي مزاعم بصورة واضحة وموثوقة وازالة اي شكوك حول دور المملكة الحقيقي في الحرب ضد الإرهاب والتزامها تجاه ذلك .

    انني قمت بتسليم وجهات النظر هذه في رسالة من صاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير عبد الله للرئيس بوش .. وقد عبر الرئيس عن تفهم لموقف ولي العهد وجدد تقديره الخاص لدورنا في الحرب ضد لإرهاب .. واشار الرئيس الى ان نشر الصفحات التي لم تنشر في هذا الوقت سيعرض للخطر العمليات ويقوض التحقيقات الجارية وان اي احد يعتقد ان هذا الرئيس سيحمي اي احد جدير باللوم في احداث 11 سبتمبر فإنه ينافي الحقيقة او له دوافع خفية .. وهنأ الرئيس المملكة العربية السعودية على الأعمال التي قامت بها في مجال الحرب ضد الإرهاب واكد لي ان تلك هي اعمال لمبدأ اقوى في هذه الحرب التي تستحق التقدير .. واشار الرئيس إلى أن أمتينا ليستا فقط حليفتان ولكنهما ايضا ضحيتان في هذه الحرب 0

    والحقيقة كما قال الرئيس اننا اكثر ضحايا الإرهاب وشريكان في الحرب ضده الأمر الذي يجعل من اللزوم علينا العمل معا بفعالية في جو من الثقة والثقة المتبادلة إذا اردنا الإنتصار في هذه الحرب 0

     شكرا لكم