كلمة صاحب السمو الملكي وزير الخارجية

 أود أن اشكر المنتدى الإقتصادي الأمريكي العربي على عقد هذا الإجتماع في المدينة العظيمة ديترويت. وديترويت لا تنتج فقط أفضل السيارات ، بل أنها ايضاَ كانت دائماً مضيافة للمجتمع العربي الأمريكي.
 

يعرف الجميع مدى فخر العرب بلغتهم وكنت قد نويت أن أتحدث باللغة العربية ولكن بعد أن سمعت الإستخدام البليغ لهذه اللغة عن طريق المشاركين في هذا المنتدى وخصوصاً أصدقاءنا  العرب – الإمريكان قررت وبكل تواضع أن أتحدث باللغة الإنجليزية وبغض النظر عن اللغة فإنه حقاً من دواعي سروري أن أكون هنا اليوم.

نجتمع في محفل مهم وفي وقت حساس لمناقشة موضوع مهم وهو:كيف وبأفضل الطرق نصل إلى تعاون إقتصادي. بدأت حياتي المهنية في الحكومة (دعونا نقول منذ سنيين عديدة) كباحث إقتصادي مبتدئ في وزارة البترول والمعادن لذلك فموضوع هذا المنتدى يشدني ويثير إهتمامي.

الإقتصاد والإستثمار والتجارة هي الأركان التي تتأسس عليها العلاقات بين الأمم.

وللإقتباس من مقولة مقولة قديمة تقول إذا كانت الحرب إمتداد للدبلوماسية، فإننا وفي عهد العولمة نقول بأن الدبلوماسية أصبحت إمتداد للإقتصاد. فإذا كانت العلاقات الإقتصادية صحيه وعادله ومنصفه بين الأمم فإنها ستقود إلى إنسجام تام، وإذا لم تكن كذلك فالنزاعات والتنافرات ستكون الناتج الوحيد.

أود أن اناقش معكم اليوم بعض القضايا التي تواجه أمتينا. فبالرغم من أن حكوماتنا تحاول أن تجعل من نفسها صاحبة الفضل في العلاقات المنسجمة بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية إلا أنها في الحقيقة أسست بواسطة المقاولون ورجال الأعمال والمستثمرون.

ففي العام 1930 وعندما كان سلاح المهندسين في الجيش الأمريكي يقوم ببناء جسر الجولدين جيت في مدينة سان فرانسيسكو كان مجتمعكم التجاري والشعب السعودي يبنون جسراً طوله 8000 ميل بين أمتينا. جاءت شركات البترول الأمريكية إلى المملكة فأكتشفت البترول وبنت لها جذور بيننا وتلاها شركات عديدة وكلهم وجدوا بيئه ترحب بهم.

وعلى مر السنين تطورت العلاقة وأزدهرت لتأخذ بعد سياسياً وكذلك أبعاداً إستراتيجية وتحالف كامل بين الدولتين والشعبين الذي يتشاطرون قيم متشابهه بالرغم من إختلاف ثقافتيهما وتاريخهما.

وتبقى روابطنا قوية لأن قيم الأمريكان والسعوديين في صميمها متشابهه.

فكما هو الشعب الأمريكي كذلك فالسعوديون حريصون على المحافظة على طبيعتهم وتميزهم وكذلك إيمانهم وثقتهم بالله وبتاريخهم وحضارتهم وأملهم في مستقبل أفضل لأولادهم وأحفادهم.

بالأمس، كنت في مدينة نيويورك وأصابني الألم مرة أخرى بسبب ذكريات ذلك اليوم المروع الذي هلك فيه ناس أبرياء.

لقد فزع الشعب السعودي من الإستخفاف الصارخ بحياة الناس ومن شر ذاك الفعل. وما روعنا أن الإنسان يمكن أن ينزل مثل هذا الألم بإنسان آخر.

وعلى خلاف التوقعات المقدمه في بعض وسائل الإعلام فإن أكثر من 90 % من السعوديين يرفضون بن لادن وما يمثله، وهذه الأرقام هي نتيجة إستطلاع للرأي العام السعودي أخذت بواسطة فريق إستطلاع أمريكي في السعودية.

كان هدف الإرهابيين الذين ارتكبوا هذه الجريمة البشرية جمعاء وقد أملوا بأن عملهم هذا سيؤجج خلافاً بين المعتقدات والحضارات وسينهي النظام في النظام العالمي.

بن لادن الذي يغذي البغض ضد أمريكا والسعودية دبر لحيلة خاصه تنطوي على نيه شيطانية.

وقد أثبتت إعترافات خالد شيخ محمد قائد عمليات القاعدة والذي هو قيد الإحتجاز في أمريكا بأن بن لادن شخصياً إختار سعوديين لينفذوا مهام 9-11 بالرغم من أن السعوديين أقلية في رتب القاعدة وقيادتها. وكان هدفه من هذا واضح جداً وهو إحداث خلاف بين السعودية وأمريكا.

ولكن في ذلك اليوم وقف العالم مع االولايات المتحدة الأمريكية. وأجتمع أناس من جميع أركان العالم ليشجبوا ذلك العمل الشنيع وليدعموا قرار الولايات المتحدة في إحضار المجرمين للعدالة مهما كان الثمن ولإعلان أن الإرهاب ليس له دين أو جنسية بل هو وأنما عمل شرير خالص مستنكر وممقوت من جميع الأديان والحضارات.

من جهتهم فإن المسلمين الحقيقيين لن يسمحوا لطائفه من المتطرفين بتشويه رسالة الإسلام المسالمة وروحه التسامحية.

ولكن الضرر وقع ومنذ ذاك الوقت والسعودية تشهد تغير غير مريح في الطريقة التي يتصور من خلالها الأمريكيين بلادنا. ويقلقنا ما نعتقد بأنه حمله إعلامية منظمة مثارة ضد المملكة من قبل البعض في الولايات المتحدة.

وإذا سألتموني عن طريق من فبإمكانكم تخمين ذلك ولكنني لن أفعل، وإذا سألتموني لماذا؟ سأعترف بأنني فعلا محتار.

فإذا كان الهدف من هذه الحملة هو إثارة الشكوك حول المملكة وتشويه سمعتها وتخريب علاقاتها بالولايات المتحدة، فإن من يقوم بإثارة هذه الحملة بعلم أو بدون علم فهم يخدمون إهداف بن لادن.

في هذه الحملة بدأ الهجوم على المملكة بأنها تساند الإرهاب وبعد ذلك تمويل الإرهاب والأن هويتنا كأمه تتعرض للمساءلة، وديننا يهاجم.

نتهم بأن لنا مطامح عالمية ونساند الجهاد الإسلامي بغرض تحويل العالم إلى عالم مسلم. بالله عليكم إذا لم تستطع القوى العظمى من الإمبراطورية الرومانية في العهد القديم إلى الولايات المتحدة حالياً من تغيير العالم بما يتماشى معهم، هل تعتقدون بأن دولة صغيرة كالسعودية تستطيع؟! كم هو سخيف.

أما بأننا دولة إسلامية محافظة فهذا صحيح وهو معروف منذ ستون عاماًوإذا كنا نتهم بشئ فبأنعزاليتنا وأننا نفضل أن نترك وشأننا وأما أن نتهم بأننا كيان توسعي يسعى للسيطرة على العالم فهذا هراء.

المملكة العربية السعودية معروفة ومحترمة في العالم الإسلامي كخادمة للحرمين الشريفين وواهبه نفسها لخدمة المسلمين بأي طريقة تستطيع، كما هي معروفة أيضاً بأنها بلد معتدل ولا تتدخل في الشئون الداخلية للأخرين.

وهذه الصفات جعلت السعودية تتمتع بعلاقات ممتازة حتى مع دول العالم الصناعي،  وبخاصة تلك التي يوجد بها تجمعات مسلمه كبيره، كما أن هذه الصفات خدمت بلدنا على المستويين الإقليمي والدولي وكان لها تأثير كبير.

لقد أثبتنا بأننا حليف يمكن الإعتماد عليه خلال الحرب الباردة ويؤكد ذلك مساهماتنا في المجال السياسي والمجال الأمني وخصوصاً المجال الإقتصادي بما لا يدع مجالاً للشك.

نعم 15 من 19 من المختطفين كانوا سعوديين ولكن هل ننسى كل شيء آخر؟ بما في ذلك حقيقة أننا مستهدفين من قبل نفس الإرهابيين؟ فمن غير العدل أن نسمح لمجموعة من المجرمين المنحرفين بتشويه أمه قوامها 16 مليون نسمه.

ليس لدي أدنى شك بأن الحملة الحاقدة على السعودية ستسقط، "لأن الحقائق هي أشياء عنيدة" كما كان يقول الرئس ريجان.

والحقائق هي أن قادتنا أعلنوا حرب لا هوادة فيها ليس على الإرهابيين فقط بل وعلى من يساند فكرهم ويمولهم ويعززهم أو حتى من يبرر أفعالهم.

وقد جمدنا ممتلكات المشتبهين بهم ووضعنا قوانيين وإجراءات جديدة للتأكد من عدم ذهاب أي دعم لمساندة الإرهاب سواء بقصد أو بدون قصد، وقد شكلنا لجنة عليا لمراقبة الإعمال الخيرية نم أجل ذلك.

وتوضح الحقائق بأنه ومنذ 11 سبتمبر 2001 فقد أعتقلت السعودية أكثر من 500 إرهابي مشتبه بهم يحملون جنسيات متعددة.

وكذلك فككنا خلايا للقاعدة وصادرنا مستودعات أسلحة، وقدمنا معلومات مهمة منعت وقوع هجمات إرهابية وأنقذت أرواح في عدد من الدول بما في ذلك الولايات المتحدة.

ودولتانا تعملان معا ً بشكل لم يسبق له مثيل فقد أسسنا قوة واجب مشتركة تعمل جنبا إلى جنب لملاحقة الإرهابين وتتبع سبل دعمهم مادياً.

لن نتردد في هذه الحرب ولن نظهر أي رحمه للإرهابيين وإن شاء الله سننتصر.

كما قلت في مقدمتي بأن التعاون سواء في المجال الإقتصادي أو الإجراءات الأمنية يتطلب تفاهم ومعرفه وثقة متبادلة من كلا الطرفين، وهذا لن يتحقق بواسطة سياسات الحكومتين فقط بل يتطلب شعب واعي ومساند.

تعززت علاقاتنا خلال ستون عاما مضت بواسطة إتصال الشعبين وإذا كانت ستستمر لستون عاما أخرى فإنها تتطلب منا الحفاظ على الثقة والتفاهم بين شعبينا.

واحدة من أكثر تبعات مأساة 9-11 إيلاماً كانت سرعة إتخاذ إجراءات لحماية الولايات المتحدة وردة الفعل هذه مفهومة، ولكن لسوء الحظ فإن بعض هذه الإجراءات تضر كثيراً بالإتصال بين شعبينا. اتكلم هنا عن الإجراءات التي كادت أن تجعل من المستحيل على السعوديين زيارة الولايات المتحدة.

في الواقع أن كل عائلة سعودية لديها أحد افرادها أما طالب أو مريض يحتاج عناية أو رجل أعمال أو سائح في أمريكا. والمصاعب التي يواجهونها للحصول على تأشيره دخول وبعدها ما يمرون به من إجراءات عند وصولهم وكل هذا جعل من الصعب التواصل بين الشعبين.

وهذا على الأقل لا يساعد على الحفاظ على علاقات صحيه موجودة بين بلدينا.

والحقيقة التي لايمكن إنكارها أن هذه الإجراءات ضد السعوديين في هذا الشأن تشعرهم بالغربة وتؤثر سلبيا على التبادل التجاري والإستثمار ولا تؤدي لعودة الأمن للمواطنيين الأمريكان على السواء.

نحن نأمل بإخلاص أن تقوم حكومة الولايات المتحدة بإعادة النظر في هذا الشأن وإتخاذ الخطوات لمعالجة هذا الموقف لضمان توسع التعاون المشترك بين البلدين، ولكن هناك معادلة محلية بحاجة إلى تسهيل هذا التوسع.

وقد تم توضيح الإجراءات التي إتخذناها لخلق الأوضاع المحلية اللازمة للإستثمار والنمو وسيتم توضيحها من قبل زملائي من المملكة أيضا.

وفيما يخص الإصلاحات السياسية فإن المؤسسات السياسية في السعودية تعمل على إحداث نقله نحو توسيع المشاركة، كما يتم عمل إصلاحات على النظام القضائي وإجراءاته وكذلك جعله أكثر تطوراً ومعاصرة لخدمة المواطن والمقيم.

كما تم تحديث المناهج التعليمية وطرق التعليم وتم إنشاء مركز للحوار الوطني.

تتحرك الحكومة بسرعة متعمدة في برنامج إصلاح طموح جداً صمم ليحدث تغيير وفي نفس الوقت يحافظ على التماسك الإجتماعي الذي يربطالأمة. فقادتنا يرفضون تماماً التجارب بحياة شعبنا وإراداتهم ووضعهم.

فالإصلاح إستجابة إلى طموح الشعب وإحتياجاته وليس نظرية في رأس أحد المخططين. فالإصلاح يهدف إلى فائدة المواطنيين وذلك من أجل توفير الحكم الجيد والشفافية.

ومن البديهي أن الإستقرار متطلب ضروري للتغيير والإصلاح، ومن أجل أن يتطور الشرق الأوسط فيجب حل الصراع العربي الإسرائيلي، وليحدث السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب على الطرفين أن يريدوا السلام معاً في نفس الوقت فالقضية ليست قضية شخصيات بل قضية سياسات وكلا الطرفين عليهم مسؤليات.

بالرغم من أن الفلسطينيين إلتزموا بوقف إطلاق النار لستة أسابيع للسماح للمفاوضات بالبدء إلا أن إسرائيل أستمرت بإغتيال الفلسطينيين وتوسيع المستوطنات وبناء الجدار المشين.  

تواجه إسرائيل خياراً ولا أستطيع أن افصل هذا الخيار بأوضح أو بأدق من التالي وأرجو منكم تحملي قليلاً وانا أقرأ لكم بعض أسطر هذا الخيار:

يسأل الكاتب إسرائيل:

"هل تريد أرض إسرائيل العظمى؟ لا يوجد مشكله، تخلي عن الديمقراطية وللننشئ نظام فعال للفصل العنصري هنا بمعسكرات سجون وقرى إعتقال (قلقيليه قيتو، جنين قولاق)".

"هل تريد أغلبية يهودية؟ لا يوجد مشكلة. فإما ان تضعي العرب على عربات القطار أو الحافلات  وأنفيهم للخارج بالجملة، أو أفصلنا عن أنفسنا تماماً بدون الاعيب وحيل".

"لا يوجد طريق وسط. يجب علينا نزع جميع المستوطنات –جميعها- ورسم حدود معترف بها دولياً بين بلد وطني يهودي وبلد وطني فلسطيني".

"هل تريد الديمقراطية؟ لا مشكلة، إما التخلي عن أرض إسرائيل العظمى إلى آخر مستوطنة ومركز مراقبة عسكرية، أو أمنحي حق المواطنه الكامل وحقوق التصويت للجميع بما في ذلك العرب".  نهاية الإقتباس.

لم تكتب هذه الأسطر بيد عربي متعصب ولكن بيد إفراهام بيرج، المتحث الرسمي السابق بإسم الكنيسيت ورئيس سابق لوكالة يهودية وهو حالياً عضو في الكنيسيت من حزب العمل.

كما قدم السيد بيرق هذه النصيحة وأنا اقتبس:

"هناك وقت لتغيير الطريق ولكنه ليس بالكثير، والمطلوب هو رؤيا جديدة لمجتمع عادل وإرادة سياسية لتنفيذ ذلك".إنتهى الإقتباس.

لا أستطيع أن أضيف أي شيء لهذا. وانا أعرف وعلى أي حال بأنه وبدون حل هذا النزاع فأن كل المساعي في الأقليم تصبح صعبه إن لم تكن مستحيله ومنها العراق.

وفيما يتعلق بالعراق نأمل ان المجتمع الدولي سيضع خطه متماسكة لمساعدة العراق للخروج من الصعوبات الحالية. إنه من الصعب بما يكفي حالياً في الشرق الأوسط الغير مستقر لمعالجة الوضع العراقي.

بالتأكيد أن الحوار حول العراق في الأمم المتحدة قبل الحرب وأثناء الحرب وحتى أيضاً بعد الحرب لم تساعد بأي وسيلة، وهذه المناظرات طالت كل ما هو تحت الشمس إلا كيف نساعد العراق.

كان إقصاء صدام حسين من حسن حظ الشعب العراقي – وكان يجب أن يكون فاتحة لحوار صحي لخلق تغييرات إيجابية يستحقها الشعب العراقي.

فالعراق أمه عريقة وفخورة ولديها الموارد والناس لإدارة مستقبلها، ويجب تحديد أولويات العراق من قبل شعب العراقي وليس عن طريق أحد من الخارج.

يجب على المجتمع الدولي ضمان وحدة العراق وسلامة اراضيه حتى يتحول بنفسه إلى ما يتطلع إليه شعبه. ومن يستطيع المساعده عليه فعل ذلك بنيه طيبه. فلن تفيد الإتهامات والإتهامات المضادة سوى في تثبيط الجهود.

ونأمل بأن الإضطرابات التي مر بها أقليمنا في السنوات القليلة الماضيةسيحل محلها الأستقرار والإزدهار والسلام. ومن أجل أن يحدث هذا علينا التركيز على إيجاد الحلول لمشاكل الإقليم وتحسين حياة ساكنيه.

يمكن للولايات المتحدة لعب دور بناء بتوفير القيادة والمواهب والموارد، ويمكن للمنتدى الإقتصادي العربي الأمريكي أن يساعد بتسليط الضوء على أهمية التبادل التجاري والتطوير الإقتصادي ليس فقط في اقليم الشرق الأوسط بل وإلى الشركات الأمريكية كذلك.

تعتبرون كعرب أمريكان جسراً يربط أمريكا بالعالم العربي ولكم دور أساسي لتقوموا به، كما يجب عليكم أن تفخروا بإرثكم الحضاري والذي أصبح والفضل لكم جزء مهم من الفسيفساء الأمريكية.

  كما تستطيعون لعب دور مهم في تعزيز العلاقات بين أمريكا وأرض أجدادكم وكأمريكان مخلصين من أصول عربية، سيكون لكم تأثير فعال في تحديد مسار مستقبل العلاقات العربية الأمريكية.

شكراً لكم