​ألقى صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية رئيس الدورة الحادية والأربعين لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي الكلمة التالية:​


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على أفضل الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آلة وصحبه أجمعين
فخامة الرئيس محمود عباس رئيس دوله فلسطين
معالي وزير خارجية جمهورية غينيا السيد/ لونسيني فال
معالي الأستاذ/ إياد أمين مدني الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي
السيدات والسادة الحضور
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته 

يطيب لي أن أرحب بكم في المملكة العربية السعودية التي تسعد باستضافة أعمال الدورة الواحدة والأربعين للمجلس الوزاري للدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي ويحدونا عظيم الأمل ونحن على أبواب شهر رمضان المبارك في أن تسهم هذه الدورة في تعزيز العمل الإسلامي المشترك في كافة جوانبه ومناحيه، كما يشرفني في هذه المناسبة أن أنقل لكم جميعاً تحيات خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز وسمو ولي عهده الأمين وتمنياتهما الخالصة في أن تتكلل أعمال هذه الدورة بما نأمل لها من التوفيق والنجاح.
ولا يفوتني – بهذه المناسبة – أن أزجي شكري وتقديري لمعالي السيد فال وزير خارجية جمهورية غينيا ورئيس الدورة الأربعين لمجلس وزراء خارجية الدول الأعضاء في منظمتنا العتيدة نظير جهوده الطيبة طيلة رئاسته للدورة السابقة. والشكر موصول لمعالي الأمين العام السابق لمنظمة التعاون الاسلامي الدكتور أكمل الدين احسان اوجلو على ما بذله من جهود طيبه طيلة عمله أميناً عاماً للمنظمة متمنياً لخلفه الأستاذ أياد أمين مدني التوفيق والسداد مؤكداً لمعاليه استمرار دعم المملكة ومؤازرتها لجهود الأمانة العامة لتحقيق اهداف امتنا الأسلامية.
السيدات والسادة
نجتمع اليوم على خلفية تطورات ومستجدات عمت أرجاء عالمنا الإسلامي وبالذات البلدان الواقعة في منطقتنا العربية والتي مازال البعض منها يعاني من حالات الاضطراب السياسي والأمني في حين تمكن البعض الأخر من سلوك الطريق الذي نأمل أن يعيد لها أمنها واستقرارها وينقلها إلى مرحله البناء والنماء. ولقد اتخذت بلادي موقفاً ثابتاً تجاه جميع البلدان الشقيقة التي خاضت غمار الاضطراب السياسي والعنف الداخلي الذي عصف بها قوامه الدعوة إلى نبذ الفتن والفرقة وتلبية المطالب المشروعة لشعوب هذه البلدان وتحقيق المصالحة الوطنية بمنأى عن أي تدخل أجنبي أو أجندات خارجية والحيلولة دون جعل هذه البلدان ممراً أو مستقراً لتيارات التطرف وموجات الإرهاب. 
والمملكة العربية السعودية التي يسعدها استضافة مؤتمركم في هذه الحقبة الدقيقة المتخمة بالتطورات والمتغيرات تجد في هذه المناسبة الطيبة ما يتيح لها التأكيد على ضرورة توحيد الصف وتكثيف الجهد من أجل الخروج بنتائج تسهم في معالجة الازمات التي تعصف بمنطقتنا على النحو الذي يعيد لها الاستقرار ويساعد على دفع عمليه التنمية الاجتماعية والاقتصادية فيها.
أيها الحضور الأفاضل
لقد جسد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز (حفظه الله) مفهوم التضامن والتعاضد بين الأشقاء العرب والمسلمين من خلال دعوته لعقد مؤتمر أشقاء وأصدقاء مصر للمانحين لمساعدة هذا البلد الشقيق في التغلب على التحديات الاقتصادية الكبيرة التي يواجهها لا سيما بعد أن قال شعب مصر كلمته واختار قيادته لتقود البلاد نحو مستقبل زاهر ومستقر. وينطلق موقف المملكة المساند لمصر من شعورنا العميق بأن استقرار جمهورية مصر العربية ركيزة لاستقرار عالمنا العربي والإسلامي. وبالتالي فإننا نتمنى على هذا الاجتماع أن يخرج بموقف قوي يشجع أشقاء وأصدقاء مصر على الاستجابة لهذه الدعوة والمشاركة بفاعليه في أي جهد يعيد لمصر دورها العربي والإقليمي في المنطقة.
الإخوة والأخوات الحضور
لا أجدني بحاجة إلى الخوض في تفاصيل القضايا السياسية التي تعرفونها جيداً وأصبحت تشكل بنوداً ثابتة في جدول أعمالنا مثل القضية الفلسطينية وموضوع القدس وتحديات الإرهاب والتطرف ومخاطر الانتشار النووي وسلبيات التدخل الأجنبي ، وأوضاع الأقليات الإسلامية التي مازالت تواجه ضغوطاً واضطهاداً من كل نوع وموجات عنف تقترب من مستويات التطهير العرقي والفرز المذهبي في بلدان وأقطار مختلفة. ويكفي هنا أن استعرض معكم بعض مستجدات هذه القضايا من باب التذكير بما يتعين علينا الالتفات إليه في سياق تناولنا لهذه المسائل.
فعلى صعيد القضية الفلسطينية فما زال الأمر يصطدم بذات العقبات والتحديات المتمثلة باستمرار التعنت الإسرائيلي وإمعان حكومة إسرائيل في سياسة الاستيطان وإجراءات التهويد ، إضافة إلى الأخذ بمبدأ يهودية الدولة الاسرائيلية .
إن تحقيق المصالحة الوطنية الفلسطينية وتشكيل حكومة الوفاق الفلسطينية يعتبر خطوة هامة وضرورية نحو بناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها مدينة القدس . وتستحق هذه الحكومة التي تمثل الشعب الفلسطيني من كافة اطراف المجتمع الدولي مؤازرتها والتعامل معها لتحقيق التسوية النهائية وحل الدولتين .
أما موضوع القدس المرتبط بتاريخ نشوء منظمة التعاون الإسلامي فأصبح يشكل هو الأخر رمزاً ثابتا ليس فقط لحدود الصلف والعدوان الإسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني مسلمين ومسيحيين ، بل وتحدياً سافراً للامه الإسلامية برمتها، مع استمرار عبث اسرائيل بهوية وأرث هذه المدينة المقدسة ومحاولات تغيير وضعها الجغرافي والديموغرافي وتعريض المصلين في الحرم الشريف لأشكال الاستفزاز والتضييق .
السيدات والسادة
تنعقد دورتنا الراهنة بعد أن اجتازت الأزمة السورية منعطفاً نحو الأسوأ في أعقاب فشل مؤتمر جنيف الثاني في التوصل إلى حل يستند إلى بنود اعلان جنيف الأول وهذا الفشل أدى إلى تعاظم أعمال العنف والإبادة  التي يمارسها النظام السوري ضد شعبة الأعزل وانحسار فرص الحل السياسي لهذه الأزمة نتيجة لاختلال موازين القوى على الأرض لصالح النظام الجائر بسبب ما يتلقاه من دعم مادي وبشري متصل من أطراف خارجية بلغت حدود الاحتلال الأجنبي ، وساعد على ذلك كله فشل مجلس الأمن في التحرك لوضع حد لهذه الكارثة الإنسانية التي لم يشهد لها التاريخ مثيلاً. أن هذا الوضع مرشح للتدهور أكثر فأكثر مع كل انعكاساته الإقليمية الخطيرة ما لم يحزم المجتمع الدولي أمرة باتخاذ موقف حازم يضع حداً لهذه المجازر الانسانية البشعة ويوفر للشعب السوري ما يمكنه من الدفاع عن نفسه والعمل على حماية المدن والمؤسسات السورية من الدمار . ويتعين عليها في هذا السياق الالتفات إلى معالجة الوضع الإنساني البالغ الخطورة والناجم عن تزايد أعداد النازحين واللاجئين السوريين داخل وخارج سوريا وهذا ما يستدعي تدخلاً دولياً سريعاً بمعزل عن الاعتبارات السياسية وحسابات التنافس الدولي ويبدو أن إفرازات الوضع السوري قد أوجدت مناخاً ساعد على تعميق حالة الاضطراب الداخلي السائد أصلاً في العراق نتيجة الأسلوب الطائفي والأقصائي . الأمر الذي نجم عنه تفكيك اللحمة بين مكونات شعب العراق وتمهيد الطريق لكل من يضمر السوء لهذا البلد لكي يمضي قدماً في مخططات تهديد أمنه واستقراره وتفتيت وحدته الوطنية وإزالة انتمائه العربي . وترتب على ذلك كله هذا الوضع البالغ الخطورة الذي يجتازه العراق حالياً والذي يحمل في ثناياه نذر حرب أهلية لا يمكن التكهن بمداها وانعكاساتها على المنطقة .
الإخوة والأخوات
ان العالم الإسلامي لازالت جراحة تنزف يوماً بعد يوم وتنتقل الكوارث والأزمات ضد المسلمين من بلد إلى أخر على غرار ما يحدث في ميانمار وأفريقيا الوسطى وغيرها من البلدان ، ولم يقتصر الأمر على ذلك بل أن الاساءات والاعتداءات أصبحت تطال ديننا الإسلامي الحنيف وشخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ويصدر هذا الأمر من جهات وأفراد ووسائل إعلام إما من باب الجهل بحقيقة الإسلام أو من منطلق التحامل والكره لهذا الدين ومعتنقيه. 
أن ديننا الاسلامي الحنيف هو دين الرحمة والعدالة والوسطية والله عز وجل جعل الامة الاسلامية أمة وسطا فقال تعالي ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً ) . وجاء الاسلام ليقيم حضارة انسانية تقوم على قيم الحوار والوسطية والتسامح والعدل ونبذ الظلم والاقصاء والغلو والعنف والتطرف مما جعلها حضارة انسانية تخدم البشرية جمعاء .
أن هذه المبادئ شكلت ركائز دعوة خادم الحرمين الشريفين التي اطلقها من منبر الأمم المتحدة لاستصدار قرار يمنع الإساءة للرموز والمقدسات الدينية من مختلف الجهات ومحاسبة المتورطين في هذا الأمر المشين. وحرصاً من خادم الحرمين الشريفين على إزالة مسببات التصادم بين الحضارات والثقافات فقد جاءت دعوته حفظه الله للأخذ بمبدأ الحوار والتعايش بين أتباع الديانات والعقائد في مختلف الأمم والشعوب وعلى أساس ما يجمعها والابتعاد عما يفرقها ويعمق التناقضات فيما بينها. وجاء التأكيد على نبذ العنف والتطرف والإرهاب في قمة مكة الإسلامية الاستثنائية لعام 1426هـ وتلا ذلك مبادرته حفظه الله للحوار بين المذاهب الإسلامية في قمة مكة الاستثنائية لعام 1433هـ .
الإخوة والأخوات
إضافة إلى جملة التحديات السابقة التي ما زلنا بصدد التصدي لها والتعامل معها، يتبقى أمامنا تحدٍ هام لابد من مواجهته والتعامل معه وهو تحدي التنمية الاقتصادية والثقافية لبلداننا والعمل على إنهاض امتنا الإسلامية لترقي إلى مصاف الأمم المتقدمة وتتبوأ المركز الذي اراده الله لها بأن تكون بحق " خير امة أخرجت للناس " . وإذا كنا قد وضعنا لأنفسنا برنامجاً عشرياً يرتبط بعملية التحول التي نتطلع إليها فمطلوب منا إجراء مراجعة لما أنجزنا من هذا البرنامج على امتداد الفترة الماضية وما تبقى علينا إنجازه وقد يتطلب الأمر منا إعادة تقيم برامج الخطة على أساس تجربتنا في تطبيق برامجها وقد تكون هناك حاجة لإعادة صياغة الأولويات من منطلق ما نواجهة من معطيات ونصادفه من مستجدات. أن اختيار شعار             " استشراف مجالات التعاون الإسلامي" لهذا المؤتمر يضعنا جميعاً أمام مسئولية بحث تفاصيل هذا "الاستشراف" وأدواته في مختلف جوانب العمل الإسلامي المشترك.
كما أود أن أنتهز هذه الفرصة لأعرب للدول الشقيقة الأعضاء عن بالغ تقدير حكومة المملكة العربية السعودية لإختيار مدينة جدة لتستضيف المقر الدائم " للهيئة الدائمة والمستقلة لحقوق الإنسان" ونؤكد لمجلسكم الموقر أننا سنقوم بواجب الضيافة لهذه الهيئة ، ونقدم لها كل ما من شأنه أن يمكنها من القيام بعملها وأداء دورها على النحو الذي يحقق تطلعات الدول الأعضاء .
وختاماً أتوجه لكم جميعاً بالشكر على إصغاءكم وأتطلع إلى أن نخرج من هذا الاجتماع بروح تعكس إصرارنا وحرصنا على بلوغ ما يصبو إليه قادتنا وتتطلع إليه شعوبنا من غايات وأهداف تتفق ومكانه امتنا الإسلامية ورسالتها الخالدة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته