أصحاب السمو الأمراء والمعالي الوزراء , أيها السيدات والسادة , الضيوف الكرام .

لقد رغبت حكومتي في تأكيد حضور سياسي لها في هذا الإجتماع , لأن بين أسس سياستها الخارجية هنالك ركيزة محددة جداً : تقوم على فكرة ضرورة إنشاء شراكة خاصة , علاقة وثيقة ومتميزة بين أوروبا ودول الخليج . وترتكز هذه الدعامة في سياستنا الخارجية على أساسين . لدينا في الشرق الأوسط , فيما يخص الإزمات في العراق ولبنان وفوق ذلك كله في فلسطين , موقفٌ متماثلٌ جداً ومصلحة مشتركة في السلام , لأنه من أجل مستقبلنا نحن بحاجة إلى تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحر سلام . وعلى الصعيد الإقتصادي لدينا الكثير مما يمكننا أن نقدمه بصورة متبادلة . فأوروبا لديها التكنولوجيا والدراية الفنية . بينما الخليج والعالم العربي يملكون الطاقة . تلك المادية ( النفط ) والمعنوية المستمدة من شباب وحيوية شعوبهما .

أعتقد أن البيان المشترك الذي نحن بصدد الإعلان عنه لم يكن يوماً ليعرب – كما في دورة الإجتماع هذه –عن رغبةٍ أقوى في توثيق الروابط القائمة فعلاً وفي التطلّع إلى الأمام , ليس بخصوص العلاقات الإقتصادية – التجارية فحسب , وإنما أيضاً بخصوص العلاقات الثقافية , والتعاون في ميدان البحث العلمي والتكنولوجي , والتعاون في مجال الطاقة الحيوي والهام , والحوار السياسي .

ويبدو لي أن الإتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية كليمها مصممان – أكثر من أي وقت مضى – على تكثيف وتوسيع علاقاتهما , مستفيدين تمام الإستفادة من الأدوات الموجودة بالفعل مع العمل على تهيئة أدوات جديدة لتحقيق هذا الغرض . وفيما يتعلق بالإدوات المتوفرة أصلاً , أذهب بفكري إلى إتفاقية التعاون القائمة منذ 1988م , والتييمكننا الإنطلاق منها لتكثيف وتنويع العلاقات بين المنظمتين الإقليميتين . أفكر بقطاع الطاقة , والذي شكلنا بالفعل فريق خبراء بشأنه . وأفكر بقطاع التعليم العالي وبالإمكانيات التي فُتحت لجعل التعاون بين المنطقتين في هذا المضمار أكثر تشعباً وخصباً , عن طريق تشجيع مشاركة جامعات خليجية في برنامج التبادل الجامعي الأوروبي " إيرازموس موندوس " ( Erasmus Mundus ) عبر إنشاء " نافذة الخليج " . كما ويمكننا أيضاً إعطاء دفعة جديدة لمسيرة الحوار الإقتصادي , المهم جداً للطرفين , والعمل على عقد دورة إجتماعات جديدة في بحر هذا العام .

ولكن أفكر قبل ذلك كله في " إتفاق التبادل الحر " , الذي سجلت المفاوضات الجارية بشأنه تقدماً يدعونا إلى كبير أملٍ في المستقبل . إن موقفنا في هذا الصدد معروف . تعتقد الحكومة الإيطالية أن الإرادة السياسية تأتي قبل كل شيئ وأنه يمكن من خلال إرادة سياسية قوية تجاوز الصعوبات الفنية . ونعتقد لذلك أن إبرام إتفاق التبادل الحر يمهد لإحراز ذلك النمو في العلاقات بين المنظمتين الإقليميتين الذي يبدو أن كلا الطرفين ينشده اليوم . ولقد دأبنا على الإعتقاد منذ البداية أن إتفاق التبادل الحر لا يحمل فقط مغزىً إقتصادياً وتجارياً وإنما سياسي أيضاً . ولهذا السبب أيضاً عملنا ما في وسعنا بكثير من المثابرة والتصميم من أجل التغلب على تلك العقبات التي أعاقت في عدة مناسبات تقدم المفاوضات .

إن مشروع البيان المشترك الذي تابعته منذ صياغته الأولى كمسودة أعتقد أنه يحمل معنىً يذهب أبعد بكثير من المواضيع المختلفة التي أُخذت فيه بعين الإعتبار , ومن التعديلات التي لا مفر منها والتي أجريت عليه ويحتمل أن تجري عليه لاحقاً قبل أن يصبح نهائياً . وبرأيي فإن هذا المعنى العميق يكمن في الإدراك المشترك لدى الطرفين بأن بؤر التوتر والأزمات التي تلقي بظلالها على الأمن العالمي ينبغي مواجهتها بروح بناءة وبإدراك أن تجاوزها يتطلب ثباتاً وتفانياً وتفهماً لإحتياجات الآخرين وإنفتاحاً مبنياً على قناعة راسخة تجاه التحاور مع من يؤمن بقضية السلام والعدل . في عالمٍ أصبح قرية كونية , فإن أزمة تحدث في الشرق الأوسط , أو ربما في شبه الجزيرة العربية فقط , لا يمكن إلاّ أن يكون لها تداعات على مستوى أوسع نطاقاً ولا يمكنها بالتالي إلاّ أن تكون موضع إهتمام المجتمع الدولي كافة .

إن ماهو مطلوب منا اليوم في المقام الأول هو إلتزامٌ فعالٌ وخالٍ من التحامل والأفكار المسبقة , ونهج في التعامل مع الأزمات يتسم بالإعتدال ومتجرد من أي شكل من أشكال التطرف يرتكز على الوعي بأن الإستقرار والأمن هما شرطان لابد منهما لتحقيق التنمية الإقتصادية والرخاء للناس وتطوير المجتمعات المدنية . وأعتقد أن بين الإتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي هنالك طاقات كبيرة يمكنها لو تضافرت أن تسهم في إرساء توازنات إقليمية أكثر رسوخاً . وأنا مقتنع بأن هنالك مساحات واسعة يمكن الإستفادة منها لتطوير حوار سياسي مثمر وبنّاء , لصالح الإستقرار والسلام .

إن هذا التحاور السياسي, الذي ما زال اليوم محدوداً , سيتلقى بالتأكيد زخماً جديداً من خلال دخول إتفاق التبادل الحر حيز التنفيذ . ومن هذا المنظور بالذات أكدت إيطالياً دوماً – كما وسبق أن قلت لكم – على المغزى ليس الإقتصادي فحسب وإنما السياسي أيضاً لإبرام الإتفاق , الذي سيساهم بشكل حاسم في تحقيق معرفة متبادلة أفضل بين المنظمتين الإقليميتين .

وعلى الصعيد الإقتصادي – التجاري المحض , أود أن أؤكد على المزايا التي سيجنيها الطرفان من خلال تخطي القضايا المحدودة الآن التي تحول دون إنهاء المفاوضات . إن دخول إتفاق التبادل الحر حيز التنفيذ – وأكرر ثانيةً بغض النظر عم مسائل تفصيلية محددة – سوف يضاعف في الواقع فرص وإمكانيات زيادة التبادلات الإقتصادية والتجارية بين هاتين المنطقتين الجغرافيتين . إن تأثيراً إيجابياً كهذا , في عالمٍ يعتمد بشكل متزايد في تطوره على التكامل , لا يمكنه إلاّ أن يُتَرجَم بصورة منفعة متبادلة لصالح الكيانات الإنتاجية وقطاعات الأعمال في دول كل من الإتحاد الأوروبي ومجلس التعاون لدول الخليج العربية على حدٍ سواء .

وشكراً لكريم متابعتكم .