السيد الرئيس

خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو

يأتي انعقاد القمة العربية التاسعة عشر في رياض المملكة العربية السعودية وعلى أرضها المباركة، ليسجل رسالة ذات دلالة، هى أن الانعقاد السنوي المنتظم للقمة العربية أصبح آلية راسخة في إدارة العمل العربي المشترك، منذ اقرارها بالقاهرة عام 2000، وهو أيضا ما تفرضه الضرورات من حتمية الاحتكام إلى التنسيق والتضامن إزاء ما يواجه العرب من تحديات كبرى في منعطف توتر غير مسبوق في التاريخ المعاصر للشرق الأوسط والعالم العربي.

وأود أن أهنئ المملكة وخادم الحرمين الشريفين على تبوء رئاسة هذه القمة وهو، كما عرفناه ونعرفه، قادر بحكمته وأصالة خصاله وثبات مواقفه على الريادة الواعية للمسيرة، وعلى استنهاض الهمم وشحذ العزائم إزاء تحد واضح لكيان بل لكينونة هذه الأمة.

كما أعبر عن التقدير لفخامة الرئيس عمر حسن أحمد البشير على جهوده المميزة وإدارته النشطة منذ تولي رئاسة أعمال القمة العربية في العام السياسى العربي المنصرم، وقد حملت الدبلوماسية السودانية تحت قيادته، بكل اخلاص، مسئولية متابعة تنفيذ مقررات تلك القمة وسط ظروف صعبة اشتدت فيها المخاطر والتحديات في السودان نفسه، وفى منطقة القرن الإفريقى المتاخم له، وفى الشرق الأوسط على اتساعه.

السيد الرئيس: خادم الحرميــن

أصحاب الجلالة والفخامة والسمو

اسمحوا لى ونحن في مستهل عمل الرئاسة الجديدة أن اعرض عليكم كشف حساب عن العمل العربى المشترك في العام الذى مضى بين قمة الخرطوم في مارس من العام الماضى وحتى هذا اليوم.

وكما تعلمون، فإن الأجندة العربية تقوم على بنود رئيسية أربعة وهى:

- الوضع الاستراتيجى والسياسي والأمني في المنطقة، وما يرتبط به من مشاكل كبرى على رأسها فلسطين والنزاع العربى الاسرائيلى، والعراق ومأساته، ولبنان وانقساماته، والسودان ومشاكله، والصومال وصعوباته، والوضع النووى في المنطقة، والهجمة العنيفة التى يتعرض لها الكيان العربى وهويته.

- الموقف التنموى والعمل الجماعي العربي في أطره الاقتصادية والاجتماعية.

- حركة الاصلاح في المجتمعات العربية.

- إصلاح هياكل الجامعة العربية وتنشيط آلياتها.

وسوف أتناول في تقريرى هذا كلا من هذه البنود، باختصار أرجو ألا يكون مخلا، ولكن تفاصيله موجودة في تقاريري المعروضة أمام حضراتكم ..

أولا: الوضع الاستراتيجى والسياسي في المنطقة

يرى العالم العربى ومن حوله العالم الاسلامى، وحقيقةً العالمُ في معظمه، في استمرار النزاع العربى الاسرائيلى وجوهُره القضية الفلسطينية لبَّ الاضطراب واساس التوتر في هذه المنطقة على اتساعها، وهنا يطرح سؤال حاكم هو : ماذا يتوجب علينا أن نفعل إزاء انحياز سياسات دولية مؤثرة هذا الانحياز المعيب إلى سياسة إسرائيلية ممعنة في تحدى فرص السلام العادل ... وهو الانحياز الذي تسبب في شل عملية السلام. هذا الأمر يجعلنا نعمل ونطالب بإصرار بضرورة إعادة النظر في هذه السياسة إذا كان للشرق الأوسط أن يستقر وللسلام أن يقوم. إن غيبة الوساطة الأمينة أضرت ضرراً بالغاً بالفرص المتاحة لاحداث نقلة نوعية في الموقف بالمنطقة، ومع ذلك فإننا نتابع حالياً حركة دبلوماسية نرجو أن تكون متوجهة إلى إستئناف عملية السلام، ومن ثم نرجو لها النجاح خاصة وأننا في سباق حاسم مع الزمن، مع استمرار الممارسات الإسرائيلية في تغيير الوضع الجغرافي والديموجرافي في الأراضي العربية المحتلة.

إننا نرجو ألا يكون الأمر مجرد حركة دون بركة، ولا تكون الدوائر المغلقة تطرح نفسها من جديد، لنجد أنفسنا بعد فترة في نفس المربع ونكون فقط قد أتحنا للسياسة الإسرائيلية الوقت الذي تحتاجه لفرض أمر واقع جديد في الأراضي المحتلة ليُحتج علينا به سواء بالقدس أو ما حولها أو في الأراضي المحتلة بشكل عام.

إن اليقظة مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى ومن ثم فعملية التقييم خلال الأسابيع.. أو الشهور القادمة ضرورية حتى يمكننا التداول في الطريق الذي يجب اتخاذه إذا فشلت الجهود الحالية أو اتضح عدم فعاليتها، وهو أمر محتمل جداً.

لقد أعد العرب أنفسهم للدخول في عملية سلام تنهى النزاع العربي الإسرائيلي، وتشهد التطورات في الأسابيع الماضية بذلك، وعلى رأس ما حققه العرب يأتي اتفاق مكة الذي تم برعاية كريمة منكم يا خادم الحرمين في إطار مواجهة موقف خطير تتعرض له المنطقة. وإرتباطاً بذلك يأتي الاتفاق الفلسطيني على قيام حكومة الوحدة الوطنية التى نحييها ونتمنى لها التوفيق في دفع العمل الفلسطيني نحو تحقيق السلام العادل طبقاً لإطار مبادرة السلام العربية، وبهذه المناسبة أحيي الدول الأوروبية التي اتخذت القرار الصائب والجرئ بالاعتراف بالحكومة الفلسطينية الجديدة والتعامل معها وعلى رأسها النرويج التى يمثلها اليوم وزير خارجيتها، وأطالب بوقف الحصار الاقتصادي المضروب على شعب فلسطين فهو حصار غير عادل لا يخدم إلا أهداف الاحتلال الأجنبى.

إن هدف العرب واضح، ومسجل في مبادرة السلام هذه والتى تلزم كل العرب وتشكل إطار قبولهم، والشروط اللازمة للسلام الشامل معهم، بما يتطلب إنهاء الاحتلال العسكري في الأراضي الفلسطينية والجولان السورى وشبعا اللبنانية، وقيام العلاقات المستقبلية مع إسرائيل تحت ظروف السلام الشامل وقيام الدولة الفلسطينية الحقيقية.

وإذا كانت السياسة الإسرائيلية تريد من العرب أن يعدلوا مبادرتهم لتشكل في النهاية تنازلات عربية دون مقابل، وترتب حقوقاً لإسرائيل دون التزامات، وذلك بعد اقتراح استبعاد عنصري الأرض والبشر، والتركيز على طلب التطبيع، فهو عرض لا يلغي المبادرة فحسب وإنما يمنع قيام السلام.

وأما القول بجهل الرأى العام الاسرائيلى بالمبادرة واستغلال الساسة الإسرائيلين لذلك، وأن علينا أن نبذل جهدا اضافيا لاعلامهم واقناعهم هم وحلفاؤهم، فربما يكون هذا القول صحيحا، وقد شرح الملك عبد الله الثانى ملك الأردن هذا الأمر بكل صراحة ووضوح في خطابه الضافى أمام الكونجرس الأمريكى وإذا بالرد السلبى الاسرائيلى يأتى: عدلوها أولاً .. ونقول لهم اقبلوها أولاً، وتعالوا إلى مائدة التفاوض.. لعلنا نصل إلى حل عادل ومقبول من الجميع يتمشى مع صحيح القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ومبدأ الأرض مقابل السلام.

إننا في مفترق طرق، فأما أن نتحرك نحو سلام حقيقى مقبول نحن جاهزون له، واما استمرار بل وتزايد في وضع التوتر الأقصى، وكثيرون جاهزون له.

فإذا انتقلنا إلى العراق فالمأساة كبيرة ولكن الموقف العربى منها واضح منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام السابق، وهو مساعدة العراق الجديد على عبور الأزمة الضخمة التى كان واضحا أنها في سبيلها إلى الظهور فور وقوع الحرب على العراق في مارس 2003، ورغم الشكوك الكبيرة التى صاحبت هذه الحرب بالنسبة للأهداف الحقيقة وراءها، فقد قبل النظام العربى أن يشغل مجلس الحكم الانتقالى الذى أنشئ آنذاك مقعد العراق في الجامعة العربية احتضاناً للعراق وحفاظاً على كيانه ومستقبله، ومن ثم اضفى الشرعية على الوضع الجديد رغم أنه كان محل جدل كبير، ثم اقترح النظام العربى مسار المصالحة الوطنية كمخرج للازمة الطاحنة فيه، وهو ما بشر بتقدم في حينه لولا قوى سلبية عملت على نسف كل فرص المصالحة ليبقى العراق يعانى الطائفية والمذهبية ومن ثم يعانى من الانفصام الوطني ومظاهره الدموية.

إن مسيرة الحل في العراق يمكن أن تنطلق إذا ما اعترفت كافة القوى ذات الشأن والعلاقة بأن الوضع يحتاج إلى حل سياسى وليس معالجات أمنية فقط، فليست العبرة بعدد الجنود وإنما بموضوعية المقاربة ونجاعتها.

إن الانقسام والصدام بين الشيعة والسنة في العراق والسياسات التى تعمل على تأجيجه أو استثماره، وعدم الوعى بابعاده المأساوية يمكن أن تشعل حريقا اقليميا هائلا لن يخرج منه منتصر واحد داخل العراق أو حوله أو فيما وراء البحار.

ومن هنا كان القرار العربي الاستراتيجي بأن انقاذ العراق مسئولية وطنية عراقية في المقام الأول ونحن نتابع باهتمام السياسة التي تبدو بازغة للتواصل مع مختلف القوى السياسية العراقية دون استثناء، إن انقاذ العراق مسئولية وطنية عراقية نعم، ولكنه في الوقت نفسه مسئولية عربية، مثلما هي مسئولية على دول الجوار أن تساعد على عبوره إلى شاطئ السلام، ومسئولية دولية أن تُعاون على تحقيق ذلك.

وإذا كنا في العالم العربى نفهم أن لآخرين غيرنا مصالح مع العراق، فيجب أن يكون مفهوما لدى هؤلاء أن للعرب مصالح ضخمة في العراق ومعه، وأن الحل يكمن في التوصل إلى تفاهم عام يحمى مستقبل العراق الواحد الحر، ويطلقه نحو آفاق أرحب على قاعدة من الديمقراطية الحقيقية، والبعد عن الطائفية والمذهبية، وفي ظل الدستور الذى يتوافق عليه ويحتمى به الجميع.

وفى هذا فموقف الجامعة العربية واضح في قراراتها، وآخرها القرار المطروح أمام هذه القمة والمرفوع من مجلس الوزراء بالمعايير التى يتطلبها حل الموقف، ومن ناحية أخرى، فالجامعة العربية على استعداد لاستئناف مؤتمر المصالحة الجامع الذي عقد في رحابها في نوفمبر 2005 وطبقا للوثيقتين الأساسيتين اللتين تم الاتفاق عليهما من قبل كافة الفرقاء العراقيين في القاهرة في عام 2005 ثم عام 2006، حيث انعقد في الجامعة العربية اجتماع آخر للجنة مثلت مختلف التوجهات لمعاودة البحث في استئناف عملية المصالحة، وتضم الوثيقتان النقاط الأساسية التي توافق عليها ممثلو الفاعليات العراقية سياسية ودينية وحكومية ومعارضة، وتعتبر أساساً مهماً لعملية المصالحة العراقية. وهذه الوثائق وثائق رسمية وتاريخية لجامعة الدول العربية، وسوف يستمر العمل السياسى العربى على أساسها باعتبارها منطلقاً للاتفاق بين مختلف الفئات العراقية بصرف النظر عن عرق أو مذهب أو دين.

وبالإضافة إلى ذلك فالعمل من الآن فصاعداً يتطلب جهداً مشتركاً في إطار الجامعة العربية بالتعاون مع الأمم المتحدة والؤتمر الإسلامي ودول الجوار وكافة الجهات الدولية المعنية الأخرى، إن إعادة إطلاق مسيرة الوفاق العراقي أصبح ضرورة ملحة وسوف نعمل على تنفيذ ذلك وفقاً لما تصدرونه من قرارات في هذا الشأن.

وأما لبنان العزيز علينا جميعا فيبقى الوضع فيه رهنا للتوافق بين زعاماته وللتوازن بين مطالبهم واستحقاقاتهم، ولا شك أننا سوف نستمر في مساعينا العربية لتحقيق ذلك على أساس سلة المقترحات التى قدمتها الجامعة العربية وإمكانيات تطويرها، والمساعى التى تبذلها المملكة العربية السعودية والدول العربية المعنية، وذلك توصلاً إلى إقرار المحكمة وكشف الحقيقة في الجريمة الكبرى التى أودت بحياة الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.. وهذا مطلب عادل، وكذلك إلى حكومة الوحدة الوطنية لتقود البلاد وسط العواصف التى يتعرض لها لبنان حالياً، وهذا مطلب وطني، بالإضافة إلى تمهيد الطريق للاستحقاقات الانتخابية القادمة رئاسية أو برلمانية.

فإذا انتقلنا إلى السودان، وإلى دارفور خاصة، فيبقى الأمر محكوما بالعناصر التالية:

أولها: الأسراع في إطلاق العملية السياسية، وتوسيع قاعدة اتفاق أبوجا للسلام في دارفور ليلتحق به غير الموقعين عليه.

وثانيها: تحقيق التعاون بين الأمم المتحدة والاتحاد الافريقى وحكومة السودان فيما يتعلق بالنهج الخاص بنشر قوة حفظ السلام طبقا لما تم الاتفاق عليه في أديس ابابا.

وثالثها: أهمية تضافر البعد التنموى مع الجانب السياسى في معالجة قضية دارفور والعمل على سرعة عقد مؤتمر الحوار بين أهل دارفور، وتفعيل صناديق التنمية والتعويض، واحتضان الدارفوريين في مؤسسات الحكم الاتحادى.

ورابعها: تجنب الميل الذى استشرى نحو اتخاذ طريق العقوبات والقسر وسيلة لفرض حلول إذ تؤدي إلى اثارة الأطراف ضد بعضها البعض وإلى تعقيد الموقف. إن التفاهم بين اطراف النزاع أساس مهم للوصول إلى حلول دائمة ومستقرة، وقد سرني كثيراً أن أرى الأمين العام الجديد للأمم المتحدة الذي أتمنى له التوفيق في مهامه الكبيرة متفهماً لأعباء قضية دارفور ولأهمية الوصول إلى تفاهم بشأنها بين الأطراف الثلاثة الرئيسية: الأمم المتحدة، والاتحاد الأفريقي، وحكومة السودان.

وخامسها: تمكين المنظمات الإنسانية من أداء عملها الانسانى المهم والمطلوب، واهمية تركيز هذه المنظمات على مهمتها العظيمة هذه دون تدخل في الموقف السياسى.

وهنا لم يغب عن الجامعة العربية ضرورة المساهمة في تحسين الأوضاع الإنسانية في دارفور فأرسلت تباعاً العديد من البعثات الطبية والغذائية، وقد لمست خلال زيارتي لدارفور حضوراً عربياً على الصعيد الإنساني في معسكرات النازحين، غير أن هذا الحضور لا يزال يحتاج إلى تعزيز وإلى المزيد من الدعم وخاصة من قبل المجتمع المدني العربي حتى يضطلع بدور أكبر في رفع المعاناة الإنسانية لأهل دارفور.

وقبل أن أنتهى من موضوع السودان أجد لزاماً عليَّ الإشارة إلى أن الدول العربية وصناديق التمويل والاستثمار العربية مدعوة بقوة للمساهمة في تنمية جنوب السودان، وفي هذا الصدد شرعت الجامعة العربية في افتتاح مكتب لها في جوبا بجنوب السودان ليتولى المساعدة في تنفيذ اتفاق السلام الشامل الموقع في 9 يناير/كانون الثاني 2005 وتنسيق العون التنموي العربي لجنوب السودان.

إن انشغال الدول العربية بالتحديات والضغوط الخارجية وبتكاثر القضايا الإقليمية لا ينبغى له أن يترك قضية وحدة السودان تواجه مصيرها بعيداً عن دور عربي فاعل يعزز بمشروعات التنمية والاستثمار حتى تكون الوحدة السودانية خياراً جاذباً لأبناء جنوب السودان.

وأخيراً وليس آخراً فإن الوضع بالصومال يظل مدعاة لقلق كبير، وقد قامت الجامعة العربية تحت الرئاسة السودانية ببذل أقصى الجهد في تشجيع الأطراف الصومالية للتوصل إلى حلول سلمية وقد شهدت الخرطوم عدة جولات من المحادثات الصومالية برعاية الجامعة العربية، غير أن حركة الأحداث دفعت إلى اتجاه آخر ويتطلب الأمر اليوم تضافر الجهود دولياً وإقليمياً وصومالياً للتعامل مع الوضع وفقاً للأسس التالية:

الأول : دعم الشرعية الصومالية وتأييد النظام الذى يرأسه الرئيس عبد الله يوسف.

والثانى: تأييد ما قرره الاتحاد الأفريقي من إرسال قوات لحفظ السلام لدعم الشرعية والحركة نحو تطبيع الحياة هناك، ونحو انسحاب القوات الاثيوبية وتأكيد احترام سيادة الصومال على أراضيه.

والثالث: أهمية الحوار والمصالحة بين القوى السياسية في الصومال ومساعدة الحكومة على قيادة الأمور نحو ذلك الحدث الأهم في مسيرة قيام الصومال الجديد.

الرابع: الدعوة تمهيدا لذلك وللمساعدة على حدوثه، إلى مؤتمر يعقد لإعادة أعمار الصومال، وفى ذلك فأثق أن الدول العربية واستثماراتها لن تكون بعيدة ولا مترددة.

وبهذه المناسبة أرحب بالرئيس مواي كيباكي رئيس جمهورية كينيا رئيس منظمة الإيجاد والبروفسور ألفا عمر كوناري رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي وأؤكد على الرغبة المشتركة لدى الجانبين العربي والأفريقي لوضع التوصيات اللازمة لتفعيل التعاون العربي الأفريقي وإزالة العوائق التي تعترض مسيرته على أسس جديدة ورؤية شاملة لمختلف مجالات التعاون كي تعتمد في أقرب الآجال على أعلى مستوى سياسي بين الطرفين الشقيقين والمتفاعلين العربي والأفريقي.

وفي إطار معالجة القضايا السياسية أشير إلى الدعم العربي لمساعي دولة الإمارات العربية المتحدة لاستعادة سيادتها على الجزر الثلاثة المحتلة وإيجاد حل سلمي لهذا النزاع وفقاً لمبادئ وقواعد القانون الدولي.

وفي نهاية تقريري عن الوضع الأمني والسياسي أود أن أشير إلى أمرين أولهما الملف النووى في الشرق الأوسط وهنا فلا يزال رأى الجامعة العربية كما قررته القمة وقرارتها وقرارات المجالس الرسمية فيها يقوم على أساس :

- معارضة وجود اى برامج نووية عسكرية لدى أى من دول المنطقة وبلا استثناء.

- رفض الطرح الخاص بإمكان وجود برنامج عسكرى نووي مقبول أو مسكوت عنه واخر مرفوض يقتضى الإدانة والعقاب.

- حق كل الدول الأعضاء في معاهدة منع الانتشار في الحصول على التكنولوجيا النووية والحق في المعرفة النووية وتدريس علومها والتعاون نحو تحقيق ذلك.

- ضرورة إقامة منطقة خالية من الأسلحة النووية في الشرق الأوسط على أن تغطى كافة انحائه دون استثناء، وإلا لا يكون هناك داع لهذه المنطقة.

- أن الحوار والمفاوضات هى الطريق لمعالجة هذه الملفات، مثلما حدث ويحدث في مناطق أخرى، بعيدا عن الإجراءات القسرية التى لا تخدم بالضرورة أهدافا تتمشى مع متطلبات الأمن الإقليمي.

وفي سياق المحور الإستراتيجي والأمني في المنطقة، لابد من الإشارة أيضاً إلى الحملة المستعرة ضد الهوية الثقافية المميزة لهذه الأمة، والتي تستند إلى مقولة عدوانية حول حتمية صراع الحضارات لتبذر بذور الشك في كل ما هو عربي أو مسلم، حتى أضحت مشكلة سياسية وأمنية، إقليمية ودولية، تهدد أمن هذه المنطقة والاستقرار العالمي، بدل أن تكون مجالاً مفتوحاً للحوار مع الآخر وللتفاعل البناء والحر معه.

في ضوء كافة هذه التحديات التى تهدد أمن المنطقة تهديدا جديا، فقد قررتم في قمة الخرطوم إنشاء مجلس السلم والأمن في إطار جامعة الدول العربية، يهتم بمتابعة هذه الأمور جميعا وغيرها ، وتأثيراتها الأمنية، والمجلس وهو يتأهب لدخول حيز النفاذ بعد اكتمال العدد المقرر للتصديقات العربية سوف يعطى لعمليات حفظ السلام في العالم العربى مكانها ودورها، كما سيتولى إدارة عملية فض المنازعات بين الدول العربية بالإضافة إلى كونه في حالة انعقاد دائم، ووجود خاصية التنسيق مع مجلس الأمن ومع مجلس السلم والأمن الافريقى لتنتقل هذه المنظمة إلى اسلوب آخر في التعامل الفورى المانع لتدهور المشاكل ووقوع الحروب.

السيد الرئيس خادم الحرمين الشريفين

أصحاب الجلالة والفخامـة والسمـو

يسرني فيما يتعلق بالمحور التنموى، أن اشير إلى الحركة الايجابية في إطار منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى وإلى حقيقة أن هناك قفزة لا بأس بها في حركة التبادل التجارى البينى بين الدول العربية.

كما يسرنى أن اشير إلى تقدم المفاوضات الخاصة بتحرير التجارة في الخدمات بين عدد من الدول العربية، بالإضافة إلى النشاط الكبير الذى تقوده الأمانة العامة لمعالجة الموضوعات المتعلقة بالقطاعات الخدمية العربية وبخاصة ذات الصلة بقطاعات النقل والسياحة والربط الكهربائى والتنمية المستدامة وعملية تطوير المجالات الزراعية والصناعية، وفي هذا فمعروض على القمة الاستراتيجية العربية للتنمية الزراعية.

وتجدون في التقرير التفصيلى المعروض على حضراتكم خطوات تفصيلية تتصل بمجالات التعاون العربى في مجالات البيئة والتنمية المستدامة والإسكان والتعمير والارصاد الجوية والطاقة، بل أن النشاط امتد ليغطى قطاعات أخرى في المجال الاقتصادى مثل الإحصاء وقواعد المعلومات والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات.

وفى ذلك، فإن مجال التعاون الاقتصادى والاجتماعي العربى تلقى دفعة كبيرة بالمبادرة المصرية الكويتية المطروحة على هذه القمة، والتى تقترح عقد قمة عربية تخصص للمسائل الاقتصادية والتنموية والاجتماعية بهدف بلورة برامج وآليات عملية لتعزيز وتفعيل الأستراتيجيات التنموية العربية، ليكون لها عوائد سريعة ومباشرة للمواطن العربى، وتعزز التكامل والاندماج الاقتصادى بين الدول العربية، وإنني إذ أرحب بهذه المبادرة أقترح أن يكلف المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة بعملية الإعداد لهذه القمة.

ومن ناحية أخرى، فكم يسعدنى أن ابلغ القادة العرب بأن ما قررتموه في قمة الخرطوم خاصا بالتعليم وتحديثه قد تم تنفيذه. وقد أوليت هذا الموضوع اهتمامى الشخصى ويشرفنى أن أقدم في هذه الدورة تقريراً ضافياً يمثل محصلة لعمل دؤوب تم خلال العام الماضى شاركت فيه منظمات عربية ودولية متخصصة مثل المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الاليكسو)، ومكتب التربية العربى لدول الخليج، والاسيسكو واليونسكو واليونيسيف بالإضافة إلى الأمانة العامة للجامعة التى نظمت عددا من اللقاءات الفكرية لخبراء في مختلف التخصصات ذات الصلة بقضايا التعليم، وتم مراجعة تقارير عربية ودولية تضمنت تقييما لاوضاع التعليم في الدول العربية.

ويرفع التقرير عدداً مهماً من التوصيات تهدف إلى تحديث منظومة التعليم في العالم العربي، وإنشاء عدد من المؤسسات على رأسها إنشاء الهيئة العربية لضمان جودة التعليم واعتماده، وإقامة المرصد العربى لتطوير المنظومة العربية للتعليم، هذا بالإضافة إلى دراسات تحليلية ومقترحات خاصة بالتعليم في مختلف مراحله تتعلق بتطويره وتحديثه.

السيدات والسادة

بالاضافة إلى المبادرة الخاصة بتحديث التعليم فالعمل يسير على قدم وساق لتنفيذ ما تناولته وثائق الاصلاح الصادرة في قمتى تونس والجزائر، وها نحن نُشيد ونحيي هذه الخطوة المهمة التى خطتها موريتانيا نحو تحقيق وتوثيق المسار الديمقراطى، كما نتابع باهتمام حركة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الجارية في الوطن العربي وعلى رأسها قوانين تمكين المرأة والنمو في نشاط المجتمع المدنى.

وأود أن أشير في مجال الإصلاح إلى أن الخطوات التى قطعتها الدول العربية على طريق الإصلاح ستتكاثر ثمارها ليشعر بها المواطن العربي بشكل متزايد مع تضاعف جهود محاربة الفساد بكل صوره وأشكاله، ونتوقع أن ترتفع مؤشرات مكافحة الفساد في الدول العربية والتى ترصدها العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية إلى مصاف الدول التى نجحت في محاربة هذه الظاهرة التى تؤثر سلباً على جهود التنمية.

نعم مازال هناك الكثير الذى ينتظره الناس في مجال التحديث والإصلاح، بل ويستحقونه، والآمال معقودة على مسيرة مستدامة وجريئة .. إننا في القرن الحادى والعشرين وهو قرن له سماته وتطلعاته، ولن يكون العرب خارج التاريخ عندما نأتى إلى التطور والتطوير وهو ما تنادى به الاغلبية الغالبة من المواطنين العرب، الذى انعكس في الوثائق التاريخية التى صدرت في هذا الشأن بقمة تونس في مايو/آيار من عام 2004.

وأخيرا وليس آخرا آتى إلى حركة إصلاح هياكل الجامعة العربية حيث انطلقت عملية إصلاح شاملة. تضمنت إقامة مؤسسات جديدة وفي مقدمتها البرلمان العربي الانتقالي الذي احتفلنا في شهر ديسمبر الماضي بمرور عام على إنشائه والذي يبنى الذراع التشريعي ضمن مؤسسات العمل العربي المشترك، بالإضافة إلى مجلس السلم والأمن العربي، وإلى تمكين المجلس الاقتصادي والاجتماعي ودعم سلطاته الإشرافية على مجمل الأنشطة العربية الجماعية في المجالات التنموية، وفتح أبواب المشاركة أمام المجتمع المدني، بالإضافة إلى تحديث الأمانة العامة وتطوير أساليب عملها ورفع مستوى أدائها وتنشيط عدد من الملفات الهامة والجديدة ضمن أجندة الجامعة العربية مثل الموضوعات ذات الصلة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية، وحوار الحضارات، وعرب المهجر، والاهتمام بالتنمية المستدامة وقضايا التغيرات المناخية والاحتباس الحراري وأثرها على البيئة والثروات الطبيعية في العالم العربي.

كما تم وضع وتعزيز أطر تنظيم علاقات التعاون العربي الجماعي مع مختلف التجمعات والكيانات والدول النافذة في العالم ومن بينها الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيجاد، ودول أمريكا الجنوبية، والاتحاد الأوروبي والصين وروسيا والهند واليابان وتركيا وغيرها من الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة.

وختاماً أود أن أرحب بالضيوف الذين شاركونا اليوم في افتتاح أعمال هذه القمة وأخص بالذكر الرئيس الباكستاني برويز مشرف والرئيس الكيني مواي كيباكي ورئيس وزراء ماليزيا السيد عبد الله البدوي ورئيس وزراء تركيا السيد رجب طيب أردوغان ونائب رئيس أندونيسيا السيد محمد يوسف كلا إضافة إلى الأمين العام للأمم المتحدة السيد بان كي مون ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي الرئيس ألفا عمر كوناري والدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي والممثل الأعلى للسياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي السيد خافيير سولانا والشيخة هيا راشد آل خليفة رئيسة الدورة (61) للجمعية العامة للأمم المتحدة والسيدين وزيري خارجية إيران والنرويج وممثلي روسيا وأسبانيا والصين والهند وأندونيسيا واليابان والبرتغال وسلوفينيا وكوبا.

أتمنى للمؤتمر الموقر التوفيق.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.