في أواخرشهر مارس القادم ستشهد الرياض القمة العربية، والسجل العربي بين النجاح والفشل ظل لصالح الأولى، لأن القادمين للدولة المضيفة، يأتون للمجاملة أو المعارضة، فيما تُخفي النوايا حقيقة موقف كل دولة، ومن هنا اختلفت الاجتهادات، ومعها ضاعت المكاسب، فصرنا نفاوض إسرائيل على الأمتار بدلاً من الكيلومترات، ونسعى لمصافحة رئيس دولة كبرى، بدلاً من التكافؤ معه بقوة المصالح، ونأمل بإيجاد حلول تحت مظلة أمريكا أو غيرها في إنقاذ العراق، وعدم التدخل في شؤونه من دول أخرى، والضعف هنا لا يأتي من سبب عسكري يؤمن التساوي، أو على الأقل التناسب المعقول مع قوة إسرائيل وغيرها، وإنما بالشتات العربي الذي يصدق عليه (الرجل المريض)، والمشلول الأطراف والدماغ..

فلو قدر للقمة أن تبتر خلافات الماضي، وتقر بالواقع لتعالجه من النواقص الحادة، لربما فزنا بنتيجة السلام مع إسرائيل، ولأقمنا مشروعاتنا الاقتصادية والأمنية، والتربوية، ولحققنا نسبة من المعادلة الموضوعية بسهولة مرور الاستثمارات والأشخاص، وعبور البضائع بدون حساسيات ومخاوف، وقد نستطيع رسم سياسات خارجية لا تطغى عليها العواطف، أو تبترها الخلافات على إشكاليات ليس لها موقع ومعنى في ضرورات حياتنا ومستقبلنا..

قمة إسلامية أخرى ستعقد في مكة المكرمة، وفيها يشكل الحضور الإيراني والعراقي واللبناني، والفلسطيني أهم الملفات، خاصة وأن هذه الدول مركز التوتر الإقليمي، والعربي، ولعل معالجة الأزمة الإيرانية النووية تلتقي مع رغبة الإجماع الإسلامي بأن لا تعالج بالقوة، لأن المردود سيكون كارثياً، وهذا المستوى من الوعي والموقف المتوازن، قد لا يحمي إيران من أي خطر تقوده أمريكا، لكن المعالجة العاقلة، بتضافر إسلامي دولي، وبتعاون مفتوح مع إيران ربما يبعد شبح الحرب، ويحقق نوعاً من المعالجة الأكثر قرباً من حفظ حقوق كل الأطراف..

وحتى يكون لنا موقف عربي وإسلامي في خصوصياتنا وما يتصل بجذور قضايانا، فإنه من غير المنطقي تجاهل علاقاتنا بالعالم الخارجي، سواء من يؤيدنا أو يتعارض معنا، لأن تلك الدول تنطلق من كسب رصيد سياسي، أو عسكري، أو اقتصادي على حسابنا، طالما نحن من انقسم وأيد أو تعادى مع تلك التيارات التي تقودها مصالحها، قبل عواطفها وحنانها..

فالملك عبدالله الذي سيرأس القمتين، والداعي لهما، لا يصل إليه الشك بنواياه، لأنه استطاع بامتحانات كثيرة تتعلق بالعرب والعالم الإسلامي أن لا يكون مغامراً طائشاً، بنفس الوقت لا يتنازل عن حق يراه مبدأ متصلاً بما تقره التشريعات الدولية، ولم يرد أن يكون مركز الضوء كزعيم مطلق، بل لا يسعى لهذه المكاسب طالما نظرته أبعد وأكثر إخلاصاً لقضايا أمته وأبناء عقيدته.

شروط نجاح القمتين مرتبطة بقدرة هذا التجمع الهائل على فرز الألوان، والنظر من بعد يصل إلى حقائق الأشياء بدلاً من هوامشها، وعندها قد نكون قوة في ميادين المتبارزين