انتهت أعمال القمة العربية في دورتها العادية السابعة عشرة، بتلاوة البيان الختامي للقمة، وهي مجموعة الأفكار والمقترحات التي اتفق عليها قادة الدول المشاركة، مضمونا ونصا.

والقمة العربية، رغم كل الانتقادات التي توجه لها، عمل ضخم. سواء من حيث الحضور السياسي، أو المعنى الثقافي، أو حتى بالمفهوم اللوجستي.

لكن القمة لظروف ليست أكثر من انعكاس للوضع العام في العالم العربي. قوية إن كان قويا وضعيفة إن كان ضعيفا.

لذلك اعتادت القمم أن تأتي وتذهب، واعتاد الناس أن تأتي القمم وتذهب دون أن يشعروا أن ثمة تغيرا حدث. فهل هذا التقييم منصف؟ هذا سؤال لن نجيب عليه، لكننا سنحاول تقديم حصاد القمة في صورة مبسطة، كوسيلة للتقييم المنصف.

كوفي عنان كان ضمن عدد كبير من الشخصيات الدولية الي حضرت القمة

ملف السلام العربي الإسرائيلي:

كان لدى أعمال القمة الحالية مجموعة من الملفات البارزة. واحد منها اتخذ عنوانا للقمة وهو ملف الإصلاح. لكن مع بداية الاجتماعات التحضيرية لوزراء الخارجية العرب برز ملف السلام واجتذب مشروع القرار الذي قدمته الأردن الأنظار.

ومشروع القرار هذا حسب ما يراه وزير الخارجية الأردني، هو صورة مبسطة واضحة يسهل فهمها لمبادرة السلام العربية السابقة التي قدمت في قمة بيروت عام 2002.

لكن طرح مشروع القرار للمناقشة ووجه بعاصفة من الاحتجاجات والتجاذبات، أجبرت وزير الخارجية الجزائري عبد العزيز بلخادم على أن يقول بصراحة ووضوح: "جزائر الشهداء لن تكون محطة للتطبيع. وقمة الجزائر لن تكون قمة التطبيع".

ثم اتفق المجتمعون في القمة على الاكتفاء بإعادة التأكيد على مبادرة السلام السعودية، ربما كحل وسط. فقد أخذوا من الأردن فكرة التسويق، لكنهم في الوقت نفسه لم يتقدموا بمبادرة جديدة.

كما رفض البيان الختامي فكرة توطين اللاجئين الفلسطينيين، ودعا إلى حل عادل يتفق عليه لمشكلتهم طبقا للقرار الدولي رقم 194.

الغائب الحاضر

وأبرز ما يوجه الى القمم العربية من انتقادات هو عجزها عن اتخاذ قرار في القضايا المصيرية، والاكتفاء بعبارات مطاطة إرضاء لأعضائها، أو عجزا عن التوصل إلى حل يكون في مقدورها.

قاعة الاجتماع

ولم تكن القمة الحالية استثناء.

وقد رد مسؤولو الجامعة العربية على الانتقادات التي واجهوها بسبب خلو جدول الأعمال من مناقشة موضوع العلاقات السورية اللبنانية بالقول إن نظام الجامعة لا يسمح بهذا.

 

فحسب ميثاق الجامعة لا يمكن مناقشة قضية دون طلب من الدولة المعنية، وفي هذه الحالة لم تطلب أي من الدولتين المعنيتين ذلك.

لكن الملف السوري اللبناني يستحق عن جدارة لقب الغائب الحاضر.

فالسيد عبد العزيز بوتفليقة، رئيس جمهورية الجزائر، قال في كلمته الافتتاحية "إنه لمن المصلحة الحيوية للبلدان العربية جعل الشرعية الدولية الحصن الحصين، حيث تحتمي حقوقها المشروعة، حتى وإن انتهك البعض، بحكم قوته أو بالاعتماد على تحالفات قوية، القانون الدولي بلا حسيب ولا رقيب".

ولا شك في أن سورية كانت من الدول العربية المعنية بهذه الدعوة.

وقبيل القمة التقى الرئيس المصري محمد حسني مبارك بالمعارض اللبناني وليد جنبلاط، ولا شك أن لقاء كهذا لم يكن ليتم إلا بترتيب مع دمشق التي زارها مبارك أيضا.

كما وجهت المعارضة اللبنانية رسالة إلى القمة تطلب فيها من سورية الانسحاب من لبنان مع التعهد بإقامة أفضل العلاقات بين بيروت ودمشق. كما طالبت القمة بتبني الدعوة إلى إجراء تحقيق دولي في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري.

ثم جاء عنان ليقول صراحة في خطابه إلى القمة، وفي وجود الرئيس السوري بشار الأسد، أن الأخير تعهد له بسحب القوات المسلحة السورية وأجهزة المخابرات قبل إجراء الانتخابات النيابية في لبنان.

كما ذكر أنه سيرفع تقريرا بشأن التحقيقات في اغتيال الحريري.

لكن البيان الختامي خلا من أي إشارة إلى القرار 1559 الذي يطلب من جميع القوات الأجنبية سحب قواتها من لبنان.

ملف الإصلاح

وكما لم يتطرق البيان الختامي إلى القرار 1559، لم يتطرق أيضا إلى مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تتبناه الإدارة الأمريكية، والذي تقول إنه يهدف إلى نشر الديمقراطية في العالم العربي.

لكن الرئيس الجزائري قال في كلمته الافتتاحية إن الإصلاحات التي تبنتها بلاده بالفعل خلال الفترة السابقة "لم تفرض علينا، ولن تفرض علينا".

وأشار البيان الختامي إلى تبني مجموعة من القرارات التي وردت ضمن "استراتيجية الأسرة العربية". في إشارة إلى أنها نابعة وتصب في الثقافة العربية وليست مستوردة من الخارج.

لكن القمة تبنت إصلاحا من نوع آخر، هو إصلاح المنظومة العربية، من خلال مجموعة من التغييرات التي تهدف إلى تطوير آلية اتخاذ القرار العربي من خلال الجامعة.

البرلمان العربي

ومن هذه المقترحات تبني آليات جديدة لاتخاذ القرارات عوضا عن الآلية الوحيدة التي كانت موجودة في السابق وهي الإجماع.

 

وسوف يظل الإجماع هو الآلية في ما يخص القضايا "الاستراتيجية"، بينما تعتمد الأغلبية في القرارات "الموضوعية"، والأغلبية الضئيلة في القرارات "الإجرائية".

 

ولا شك أن هذه التوصيفات تحتاج هي نفسها إلى توصيفات لشرحها.

 

كما تبنت الجامعة فكرة إنشاء هيئة متابعة قرارات القمة، والتي يشار إليها أيضا باسم الترويكا العربية. وتتكون الهيئة من الدولة المضيفة للقمة بالإضافة إلى الدولة السابقة في الاستضافة واللاحقة.

 

وتبنت الجامعة أيضا فكرة البرلمان العربي، الذي أريد له بداية أن يكون على غرار البرلمان الأوروبي، لكن الأوضاع الداخلية للدول فرضت بعض التغييرات، الجوهرية.

 

فبدلا من أن يكون جميع أعضاؤه بالانتخاب، سيكون هناك أربعة أعضاء من كل دولة يختارون حسب النظام الداخلي للدولة المعنية، سواء بالانتخاب أو التعيين.

 

مجلس الأمن

وفي إطار بحث مسألة توسيع عضوية مجلس الأمن، أشار وزير الخارجية الجزائري إلى دعم عربي لمقعد مصري في المجلس في إطار الخطة "ب".

 

وتقترح هذه الخطة أن تحصل دولة إفريقية على مقعد في مجلس الأمن بالتناوب كل أربع سنوات.

 

لكن مقترحا مصريا أثير في بداية الأعمال التحضيرية للقمة بأن تحصل مصر على مقعد دائم في مجلس الأمن ممثلة عن الدول العربية واجه اعتراضا من بعض الدول على أساس أنه يعتمد على تصنيف عرقي، وهو أمر لا سابق له في العلاقات الدولية.

 

كما يرى المعترضون أن اقتراحا كهذا سيؤدي إلى تدهور العلاقات العربية الإفريقية، وأن المكان الوحيد لكي تقدم مصر مقترحها هو الاتحاد الإفريقي.

 

وكان هذا المقترح المصري في إطار الخطة "أ" التي تمنح بمقتضاها دولتان إفريقيتان وأخريان آسيويتان مقاعد دائمة في مجلس الأمن. ويذكر في هذا الإطار أن من شبه المؤكد أن أحد مقعدي إفريقيا سيذهب إلى دولة جنوب إفريقيا.

 

وفي مؤتمر صحفي عقب نهاية القمة قال بلخادم إن مبارك أبلغه أن مصر تدعم الخطة "ب".

 

مواضيع مؤجلة

وكان هناك مقترح بإنشاء محكمة عدل عربية ومجلس أمن عربي، لكن الاقتراح لم يلق استجابة في القمة الحالية.

 

ويقول وزير الخارجية الجزائري إن الاقتراح لم يرفض، لكنه أجل لإتاحة الوقت لمزيد من النضج لهذه الفكرة.