بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .

أيها الاخوة الأعزاء :

أعضاء مجلس الشورى الموقر :

باسم الله افتتح هذه الدورة من أعمال مجلس الشورى متوجهاً إلى المولى جلت قدرته بالحمد والشكر على نعمه التي لا نحصيها ومستمداً منه سبحانه العون والتوفيق .

إن شعبنا السعودي النبيل من منطلق إيمانه بثوابته الإسلامية وقيمه العربية يرفض الإرهاب بكافة صوره وإشكاله ولن يسمح لفئة من الإرهابيين المنحرفين أن يمسوا الوطن وسلامة أبنائه والمقيمين فيه ولن يسمح - إن شاء الله - بوجود فكر ضال يشجع الإرهاب ويغذيه حتى عندما يحاول هذا الفكر الضال التظاهر بالتدين والدين الحنيف من الإرهاب وفكر الإرهاب براء وأن هذه الأمة قد توحدت على ضرورة القضاء على كل مظاهر آفة الإرهاب وهي قادرة بحول الله وقدرته وتعاون مواطنيها على تحقيق ذلك .

وإذا كنا أيها الأخوة نرفض التدخل في شؤوننا الداخلية من أي جهة كانت وتحت أي ذريعة نحن حريصون كل الحرص أن تظل كل شؤوننا الداخلية عرضة للمراجعة الذاتية التي لا تستهدف سوى الإصلاح والإصلاح ضالة المؤمن لا ينبغي أن يثنيه عنه ما يردده المتصيدون في الماء العكر من أن محاولات الإصلاح هي استجابة لضغوط خارجية والحقيقة التي تعرفونها ويعرفها الشعب السعودي كله هي أن مسيرة الإصلاح لم تنقطع وسوف تستمر بإذن الله .

وقد لمستم أيها الأخوة ولمس الشعب السعودي ما تم على صعيد الإصلاح في ميادين حياتنا السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية وسوف أكتفي بأن استعرض معكم موجزاً لما تم الوصول إليه تاركاً التفاصيل التي لا يتسع لها المقام.

لقد كنتم أيها الأخوة أعضاء المجلس شركاء حقيقيين للحكومة في مجال التطوير السياسي والإداري وأود أن أشير هنا إلى أن عدداً من المبادرات المتعلقة بإعادة الهيكلة الحكومية ولدت في مجلسكم ثم نوقشت ودرست باستفاضة وجاء التشكيل الوزاري الجديد مجسداً بعض هذه المبادرات ولازال البعض الآخر في طور الدراسة ولا يفوتني أن أنوه بأهمية الأنظمة المتعلقة بالتقاضي والإجراءات الجنائية وهي أنظمة درسها مجلسكم الموقر بعمق وصدرت بحمد الله وتوفيقه مستهدفة تسهيل إجراءات التقاضي وإيصال العدالة إلى المواطنين وحمايتهم من تجاوزات السلطة العامة وفي السياق نفسه صدرت الموافقة بقيام جمعية أهلية تعنى بحقوق الإنسان هذه الحقوق التي كان الإسلام أول من نادى بها وسيتعبها - بحول الله - إنشاء مؤسسة حكومية تعنى بالحقوق نفسها حتى تتضافر جهود الدولة والمواطنين لحماية الكرامة التي أرادها الخالق - عز وجل - للبشر أجمعين والعزة التي أرادها جل شأنه لعباده المؤمنين.

وأحب أن أؤكد لكم أننا سنستمر في طريق الإصلاح السياسي والإداري وسنعمل على مراجعة الأنظمة والتعليمات وإحكام الرقابة على أداء الأجهزة الحكومية وتوسيع نطاق المشاركة الشعبية وفتح آفاق أوسع لعمل المرأة في إطار تعاليم الشريعة الغراء وغني عن الذكر أن مجلسكم الموقر سوف يقوم بدوره الكامل في تحقيق الإصلاحات المنشودة .

وفي المجال الاقتصادي قامت الدولة بمبادرات عديدة تستهدف تحرير الاقتصاد من العوائق الروتينية وتشجيع المستثمرين من الداخل والخارج وتخصيص المرافق الاقتصادية وتمليكها للمواطنين والعناية بقطاع السياحة ومراجعة الأنظمة الضريبية ولا أدل على اهتمام الحكومة بالاقتصاد من إنشاء المجلس الاقتصادي الأعلى وإنشاء وزارة للاقتصاد والتخطيط إن الإصلاح الاقتصادي عملية مستمرة طيلة الوقت وهي عملية بالغة الأهمية يتوقف على نجاحها نجاح التنمية الاقتصادية وتحسن أوضاع المواطن المعيشية .

ولا يفوتني والحديث عن الإصلاح الاقتصادي أن أركز على مشكلتين رئيسيتين هما البطالة والفقر وأنتم أيها الأخوة الأعزاء تعرفون تمام المعرفة جهود الدولة لتوطين العمالة ونشر السعودة كما تعرفون أنه لابد للتغلب على مشكلة البطالة من جهود إضافية لتوفير المزيد من الفرص التعليمية والتدريبية لأبنائنا ولبناتنا ومن مراجعة التخصصات الأكاديمية بحيث تلبي حاجة المجتمع إلى الفنيين والمهنيين .

وفيما يتعلق بمشكلة الفقر قامت الدولة بمبادرة رائدة سلطت الأضواء على المشكلة وهناك الآن دراسات عميقة لظاهرة الفقر يقوم بها نخبة من الخبراء السعوديين نأمل أن تصل إلى توصيات فعالة يلمس المواطنون - بإذن الله - آثارها الإيجابية في كل مكان إلا أن مسيرة الإصلاح لا يمكن أن تثمر إلا في جو من الوئام الاجتماعي القائم على الوحدة الوطنية وهنا لا بد من التنبيه إلى أن الوحدة الوطنية تتعارض مع الطروحات المتطرفة وتتطلب أجواء صافية من الحوار الأخوي الهادئ وإذا كان تبني الخطاب الوسطي المعتدل مسؤولية في عنق كل مواطن فهي مسئولية تقع في الأساس على عاتق علمائنا الأفاضل الذي نعول - بعد الله - عليهم في نشر التسامح الذي تمتاز به شريعتنا السمحة وفي إنقاذ شبابنا من شر الأفكار المدمرة التي تبث الغلو والكراهية ولا تنتج سوى الخراب والدمار .

أيها الأخوة الأعزاء :

لقد علمتنا التجارب في شرق الأرض وغربها أن الإصلاح الحقيقي هو الإصلاح النابع من عقيدة الأمة وتراثها الإصلاح الذي تقبل عليه الأمة طائعة لا مسوقة الإصلاح الذي يتم بتدرج وسلاسة متجنباً السرعة المهلكة والبطء القاتل وسوف يكون هذا المنهج الإصلاحي - بإذن الله - منهجاً نمضي فيه بثقة وإيمان مرددين قوله - عز وجل إن أريد إلا الاصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله. ولئلا يجهل أحد جدية الدولة في المضي في الإصلاح على النهج التطويري الذي ارتضيناه وبالمصداقية التي تقوم على الفعل لا القول فإنني أقول لكل مواطن ومواطنة إن لكل منا دوراً وعلى كل منا مسؤولية لم يعد هناك وقت للتواكل ولوم الآخرين والتشكيك في صدق ونزاهة من يريد الإصلاح وأقول لكل مسؤول في الحكومة إن المسئولية شرف وتقضي بواجبات ولا تمنح حقوقاً وأقول لك رجل أعمال إن الوطن ليس رأس مال وربح فقط وإنما استثمار في أمنه وأمانه وأقول لكل مواطنة أختاً كانت أم أماً أم ابنة أم زوجة إن هذا الوطن للجميع وإن المواطنة الصالحة شريكة في صنع المستقبل كما هو المواطن الصالح وأقول للمسئولين عن التعليم بجميع مراحله أنهم هم الحاضنون لأجيال المستقبل وأن المناهج الهادفة الخيرة هي التي تغرس الأفكار والقناعات في الأذهان الغضة والنفوس البريئة لما فيه خير الأمة وصلاحها كما وأن الخلل في التعليم - لا سمح الله - سبب رئيسي لأي انحراف فكري أو أخلاقي أو عجز عن العمل والمشاركة وأقول للإعلاميين والمثقفين إن الإعلام ليس ترويجا وإن الثقافة ليست وجاهة وإن الوحدة الوطنية والحضور على المستوى العالمي مرهون بإعلام مسئول وحركة ثقافية مبادرة ومتنوعة وأقول لكل المواطنين إن من أوجب الواجبات مواجهة ضيق الأفق والإقليمية والفرقة الاجتماعية وهي من الأمور التي يتطلبها ديننا قبل أن تتطلبها وحدتنا الوطنية وأقول لكم أعضاء مجلس الشورى ومثلكم أعضاء مجالس المناطق والمحافظات إنكم مطالبون بتحسين أدواتكم وأخذ مسئولياتكم في السياق الذي يجب أن تؤخذ فيه سياق المشاركة ومراقبة أداء الأجهزة الإدارية وأقول للجميع إنه لم يعد بيننا مكاناً لمستفيد من موقع أو مستغل لنفوذ 0

أيها الأخوة :

لا شك أنكم تألمتم كما تألمنا للأحداث الدامية التي شهدها العراق الشقيق هذه الأحداث التي لم ندخر وسعا للحيلولة دون وقوعها ولن ندخر وسعاً الآن لمعالجة آثارها وتداعياتها أملين أن يخرج العراق من محنته ويعود وطناً عربياً مستقلاً مزدهراً يعيش بسلام مع جيرانه ويتمتع أبناؤه فيه بالسلام والرفاه 0

ولا يفوتني في هذا الصدد أن أسجل للشعب السعودي الكريم وقفته الأصيلة المسئولة فقد تابع التطورات بوعي وحكمة وكان حريصاً على وحدة هذا الوطن الغالي بعيداً عن أسباب الفرقة ودواعيها وهو يقف الآن في صف أشقائه العراقيين ماداً يد العون والدعم مستعداً لتحمل نصيبه الكامل من الجهد والتضحية لإعادة إعمار العراق 0

أيها الأخوة الأعزاء :

إن إلتزام المملكة بالقضية المحورية العربية وهي القضية الفلسطينية وتحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني لا يزال يشكل قاعدة أساسية للسياسة الخارجية للمملكة 0

وفي هذا الإطار فقد دعمت المملكة كافة المبادرات الرامية إلى إحياء عملية السلام بما في ذلك، خارطة الطريق، ونجحت مع شقيقاتها الدول العربية في أن تكون المبادرة العربية التي تم اعتمادها في قمة بيروت العربية مرجعية لخارطة الطريق والتي نرى ضرورة أن يصدر بشأنها قرار من مجلس الأمن لكي تكتسب المصداقية اللازمة على أنه لا بد من التنويه في هذا الصدد إلى ضرورة وقف الاعتداءات المستمرة التي تقوم بها إسرائيل والممارسات العدوانية التي ترتكبها في الأراضي العربية المحتلة وحماية الفلسطينيين من هذه الاعتداءات ليتمكنوا من القيام بالمسئوليات الملقاة على عاتقهم وأما إذا استمرت إسرائيل في عدوانها وفي فرض الحصار الاقتصادي على الفلسطينيين وعدم إعلانها موافقتها على خارطة الطريق فمن الواجب على المجتمع الدولي وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية بذل كل ما يمكن لثني إسرائيل عن تماديها في اتخاذ هذه المواقف المتصلبة.

أيها الأخوة الأعزاء :

إننا نواجه عالماً يقف على مفترق طرق حيث انقلبت مفاهيم وقامت مفاهيم وسقطت تحالفات ونشأت تحالفات وتراجعت مبادىء النظام الدولي وحلت صيغ جديدة لم تظهر تداعياتها حتى الآن كما أن ثورة المعلومات قد أثرت على كل مرتكزات العالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ودول العالم جميعها شمالها وجنوبها تتعامل مع كل هذه التغيرات تحاول فهمها وربطها بواقعها الثقافي والاجتماعي والسياسي وتسعى لتطويعها لإرثها التاريخي ولمنظومة قيمها ونحن أيها الأخوة جزء من هذا العالم لا نستطيع الانفصام عنه ولا يمكن لنا أن نسكن والعالم يتغير وليس لنا أن نرضى بمقاعد المتفرجين والكل يتسابق في تشكيل قسمات العالم الجديد خاصة وأن هذا البلد يقع في قلب الأمة الإسلامية وهو مهد العروبة فعلينا جميعاً أن نكون أهلاً لهذا التحدي ولا يمكن أن نكون كذلك إلا إذا حافظنا على عقيدتنا السمحة وضمنا وحدتنا الوطنية ووحدنا رسالتنا في الداخل والخارج وتعاضدنا في حمل المسئوليات وأداء الواجبات 0

يقول الله سبحانه وتعالى في محكم التنزيل، يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة وأعلموا أن الله شديد العقاب واذكروا إذ انتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فأواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون، صدق الله العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .