السّلام عليكُم ورحمةُ اللهِ وبركاتُه
إنه لمن دواعي سروري أن أتحدث اليوم أمام منتدى المستقبل ، والذي أصبح رغم حداثته أحد أبرز المُنتديات الفاعلة في الأعوام الأخيرة ، بما تحويه أعماله من حضور دولي وحوار بناء ، وما يحققه من نجاح لتعزيز أواصر التعاون والتفاهم بين منطقتنا في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وبقية العالم، ودعم الشراكة بين الحكومات والمنظمات الإقليمية والدولية من جهة والمجتمع المدني ومؤسساته من جهة أخرى ، لما فيه مصلحة شعوبها وتنميتها واستقرارها وتكريس وعيها بقيمها وثوابت مجتمعاتها .
وبلا شك فإن تنمية هذه الشراكة قد أصبحت أكثر ضرورة من أي وقت كان ، بالنظر لما تمر به المنطقة من تغيرات واسعة شهدتها العديد من دولها، وما تواجهه من تحديات على كافة الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتنموية ، كما أنه لا يجوز إغفال أحد العوامل الرئيسية لعدم الاستقرار في المنطقة وهو النزاع الفلسطيني الإسرائيلي ، والذي مازال مع الأسف يشكل أحد أبرز مصادر التوتر الدائم وزعزعة الاستقرار في المنطقة ، في ظل تعنت اسرائيل المستمر ومواصلتها ممارسة منطق القوة والاحتلال ضد الشعب الفلسطيني والمضي في بناء المستوطنات على أراضيه ، ورفضها المبادرات العربية والدولية لإيجاد حل لهذا الصراع ومنح الشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة ، ولعل الاعتراف الأخير بدولة فلسطين في الأمم المتحدة كدولة مراقب غير عضو سيشكل عنصرا هاما لتشجيع المجتمع الدولي على بذل المزيد من الجهود لإيجاد حل شامل وعادل لإنهاء هذا الصراع ، وتمكين الشعب الفلسطيني من إقامة دولته المستقلة على أراضيه وفقا لمبادئ الشرعية الدولية . 
ولا ادل على ذلك من قرار اسرائيل مؤخراً بناء 3000 وحدة سكنية في الضفة الغربية والقدس مما يشكل هذا الاجراء عائقا وتحدياً لعملية السلام واستحالة انشاء دولة فلسطينية قابلة للحياة ضاربتاً بعرض الحائط القوانين والاعراف الدولية والقرارات والاتفاقات الدولية والثنائية .
وفي هذا السياق فإننا نرحب بالبيان الصادر من الاتحاد الاوربي ازاء قرار اسرائيل بناء هذه الوحدات حيث ان هذا القرار يظهر وبدون شك عن عدم رغبة الحكومة الاسرائيلية في تحقيق السلام العادل في المنطقة واقامة العقبات اما أي خطوات نحو قيام مفاوضات جادة بين الطرفين ونتطلع الى ان تقوم بقية الدول الاخرى بانتهاج الخطوات التي اتخذها الاتحاد الاوربي في هذا الخصوص .
وغير بعيد من الأراضي الفلسطينية ، وعلى وجه التحديد في سوريا ما زال الوضع المأساوي والذي يعاني منه المواطن السوري مستمراً ، ومازال خيار القوة والعنف هو الحل الذي يمارسه النظام السوري ضد شعبه في ظل غياب إرادة دولية موحدة تسعى لإيجاد حل لهذه الكارثة، والذي سيكمل قريبا عامه الثاني دون أي أمل يذكر في نهاية النفق المظلم ، بل أن الأوضاع ومع الأسف تزداد تفاقما وتدهورا. ولهذا فإن على المجتمع الدولي وخاصة الدول الكبرى ومجلس الأمن إيجاد الحل الأنسب لوقف العنف ولحقن دماء الأبرياء من الشعب ، وتحقيق رغبته بالعيش بحرية وكرامة وأمن واستقرار . بعد ان فقد النظام السوري شرعيته واصبحت الته الحربية اكثر شراسةً ، إن تفاقم الحالة الانسانية في سوريا وتدهور الوضع الامني هو محور اهتمامنا وشغلنا الشاغل ، لذلك نجد علينا لزاما بعد ان اصبحت الحقائق واضحة امام مجلس الامن أن يتحمل مسئولياته لحفظ الامن والاستقرار في سوريا ، وانسجاما مع الجهود الدولية لدعم الشعب السوري الشقيق والتي اخذت المملكة على عاتقها منذ بداية الازمة تحمل مسئولياتها  الانسانية بدعم الشعب السوري على كافة الاصعدة حيث اعلنت المملكة في مؤتمر اصدقاء سوريا الذي عقد في مراكش يوم 12 ديسمبر الحالي عن تبرعها بمبلغ 100 مليون دولار اسهاما منها في تخفيف الوضع الانساني المتردي في سوريا .
السيدات والسادة ، الحضور الكرام .
أدركت حكومة المملكة العربية السعودية منذ مرحلة مبكرة أهمية بناء المجتمع المدني وأن الجهاز الحكومي لا يمكنه إنجاز مهامه بكفاءة ونجاح دون تعاون المجتمع المدني معه ودعمه لخططه وجهوده، خصوصا في هذا العصر المتميز بتسارع قوى العولمة و تقارب الشعوب وترابطها ، والتوسع الكبير في استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ويكتسب هذا أهمية خاصة في المملكة التي يشكل الشباب الغالبية الكبرى من مواطنيها الذين يتمتعون بتنوع ثقافي وحضاري واسع ونمو اجتماعي واقتصادي سريعين . وقد حرصت المملكة باستمرار على اتباع سبل الإصلاح والتطوير في شتى المجالات ، مدركة أن هذا الاصلاح هو عملية مستمرة وضرورية لما فيه مصلحتها وتقدمها، ووفقا لما يناسب ظروفها وخصوصيتها وبما يخدم تطلعاتها ، دون إملاءات ، مع الاهتمام بما يحفظ استمرار تنميتها واستقرارها ونهضة شعبها ورفاهيته .
وفي إطار الاهتمام بتنمية المجتمع المدني وبناء مؤسساته فقد شجعت الحكومة ودعمت بسخاء انشاء العديد من الجمعيات النسائية والخيرية والحرفية والتطوعية ، بالإضافة للجمعيات المتخصصة في مجالات متنوعة مثل تلك المعنية بشئون المتقاعدين و الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والأيتام والعجزة وغيرهم ، كما تم تعزيز العمل الحقوقي بإنشاء هيئة حقوق الإنسان كهيئة حكومية مستقلة ، وكذلك إنشاء الجمعية الوطنية لحقوق الانسان كمنظمة حقوقية غير حكومية ، وانضمت المملكة لجميع المعاهدات الرئيسية الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان في شتى المجالات وعلى رأسها اتفاقية حقوق الطفل واتفاقية منع جميع أشكال التمييز ضد المرأة واتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة والبروتوكول الخاص بها  .
وقد أولى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله اهتماما خاصا بتعزيز وضع المرأة ورفع مستواها  الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي ، وتكلل ذلك بالتوجيه الذي أصدره في أواخر العام الماضي والقاضي بمشاركة المرأة في مجلس الشورى اعتبارا من الدورة القادمة وكذلك مشاركتها كمرشحة وكناخبة في الانتخابات البلدية المقبلة . وكان افتتاح جامعة الأميرة نورة للبنات في شهر مايو 2011م دليلا مشرقا آخر على اهتمامه الشخصي لخادم الحرمين الشريفين بتعليم الفتاة السعودية ونهضتها ، حيث تضم الجامعة كليات متكاملة ومجهزة لتعليم جميع العلوم المعاصرة ، ويمكنها استيعاب أربعين ألف طالبة في شتى المراحل الجامعية ، وتعد من أكبر وأكفأ الجامعات النسائية في المنطقة .
أما على المستوى الاقتصادي فقد حرصت المملكة على تعزيز  دور الفرد في التنمية الاقتصادية ، وعلى إعطاء التنمية الاجتماعية الأولوية في الهرم الاقتصادي ، ورعاية الشباب وحماية الفئات الضعيفة في المجتمع ، وتأكيد حقوق الملكية الفردية ودعم الإصلاح الاقتصادي، وتعزيز الشفافية والمرونة ، ومكافحة الفساد والترهل ، وبناء المجتمع المعرفي وإصلاح نظم التعليم ، وتطوير عمل الأجهزة الحكومية ورفع كفاءتها ، والإستفادة مما تتيحه التكنولوجيا الحديثة في هذه المجالات ، كما اهتمت المملكة بتعزيز سبل التعاون الدولي في المجالات الاقتصادية وتحرير التجارة الدولية وإزالة العوائق أمامها ، وكذلك تقديم العون والمساعدة للدول المحتاجة ، انطلاقا من عضويتها في مجموعة العشرين واستشعارا لمسئولياتها الدولية ، خاصة في ظل الأزمة المالية العالمية التي تعصف بالعالم منذ عدة سنوات والتي كانت أضرارها أكثر وطأة على الدول النامية ، حيث تصنف المملكة ضمن أولى الدول المانحة للمساعدات  على مستوى العالم.
السيدات والسادة الكرام ،،،
إن المجتمعات لا تتطور ولا تتقدم دون وجود حوار حضاري بناء بين أطيافها وتياراتها ، وقد جاء إنشاء مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني في الرياض ، ليمثل الهيكل التنظيمي للحوار الوطني بين كافة شرائح وفئات المجتمع السعودي ، ويسعى هذا المركز لتحقيق عدد من الأهداف على رأسها تكريس الوحدة الوطنية في إطار العقيدة الإسلامية وتعميقها عن طريق الحوار الفكري الهادف، والإسهام في صياغة الخطاب الإسلامي الصحيح المبني على الوسطية والاعتدال داخل المملكة وخارجها ، ومعالجة القضايا الوطنية من اجتماعية وثقافية وسياسية واقتصادية وتربوية من خلال الحوار البناء ، وترسيخ مفهوم الحوار وسلوكياته في المجتمع ليصبح أسلوبا للحياة ومنهجا للتعامل مع مختلف القضايا ، وتوسيع المشاركة لأفراد المجتمع وفئاته في الحوار الوطني ، وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني بما يحقق العدل والمساواة وحرية التعبير في إطار الشريعة الإسلامية ، وتمكين قنوات الاتصال والحوار الفكري مع المؤسسات والأفراد في الخارج ووضع رؤى استراتيجية للحوار الوطني وضمان تفعيل مخرجاته . وقد حقق المركز نجاحا كبيرا لتحقيق هذه الأهداف وأصبح المنسق الرئيسي لشئون الحوار الوطني وقضاياه في البلاد .
ولم تغفل المملكة أهمية تعزيز الحوار بين الديانات والثقافات على المستوى العالمي ، حيث تكللت جهودها في هذا المضمار بإنشاء مركز  الملك عبد الله بن عبد العزيز العالمي للحوار بين أتباع الديانات والثقافات ، والذي جرى افتتاحه رسميا في أواخر شهر نوفمبر الماضي برعاية صاحب السمو الملكي الأمير سعود الفيصل وزير الخارجية ، ومعالي نائب رئيس وزراء جمهورية النمسا ومعالي وزير خارجية مملكة اسبانيا ، وبمشاركة الأمين العام للأمم المتحدة والعديد من الشخصيات الدينية والثقافية الهامة على المستوى الدولي ، حيث أشار سمو وزير الخارجية في كلمته لافتتاح المركز إلى أنه يحقق تجسيدا لمساعي خادم الحرمين الشريفين حول إقامة حوار إنساني هادف ومسئول بين أتباع الديانات والثقافات ، و يمثل ثمرة جهد طويل امتد من مكة المكرمة إلى مدريد إلى نيويورك إلى جنيف حتى فيينا ، وأنه يهدف إلى التقريب بين الشعوب والثقافات وتكريس مبدأ الاعتدال والتسامح والوسطية ، وأوضح الأمين العام للأمم المتحدة من جانبه في نفس المناسبة إلى أن المركز سيكون له وضع منظمة دولية وأنه يهدف إلى تسهيل الحوار والتفهم الديني والثقافي وتعزيز التعاون واحترام التنوع والعدالة والسلام . وللمركز مجلس إدارة يتكون من تسعة أعضاء يمثلون أهم الأديان والثقافات في العالم . أما على مستوى العالم الإسلامي فقد أعلن خادم الحرمين الشريفين في قمة التضامن الإسلامي المنعقدة في مكة المكرمة في شهر أغسطس الماضي عن إنشاء مركز للحوار بين المذاهب الإسلامية يكون مقره الرياض ، ويهدف الى معالجة القضايا التي تهم العالم الاسلامي وايجاد الحلول المناسبة لها وتقريب وجهات النظر في القضايا المختلف عليها عن طريق الحوار الفكري البناء إضافة الى اقامة جسور من التعاون والتفاهم مع المراكز الاخرى والتي تعني بالاهتمام بالقضايا الانسانية والاجتماعية ، ويعيَّن أعضاء هذا المركز من قبل مؤتمر القمة الإسلامي، وباقتراح من الأمانة العامة لمنظمة التعاون الإسلامي والمجلس الوزاري التابع لها. 
وفي الختام أجدد الشكر لمنظمي هذا المنتدى والقائمين عليه متمنيا لأعماله النجاح.